العيد فرحة وبهجة

تم نشره في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2018. 12:10 صباحاً
  • مصلون يؤدون صلاة العيد بمصلى - (ارشيفية)

د. أحمد ياسين القرالة

العيد ظاهرة إنسانية تعرفها كل المجتمعات الإنسانية حتى البدائية منها؛ إذ تخصص كل أمة أو مجتمع من المجتمعات يوماً أو أياماً عدة من أيام السنة، تخرج فيه على المعهود اليومي، وتفرده للفرح والسرور وتقدم فيه القرابين والهدايا، ومن الملاحظ أن غالب هذه الأعياد مرتبطة بالمناسبات والأحوال الدينية، كمولد نبي أو نجاته أو غير ذلك، والدليل على ذلك ما ورد في القرآن حكاية عن موسى عليه السلام مخاطباً فرعون "قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى" فيوم الزينة هنا هو يوم العيد الذي يأخذ فيه الناس زينتهم ويتجملون فيه بأحسن الثياب، كما ذهب إلى ذلك عدد من المفسرين، وروى أنس رضي الله عنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر".
ولا تختلف الأمة الإسلامية عن بقية الأمم في هذا الأمر، فلهذه الأمة أعيادها، وهما عيدا الفطر والأضحى، ولكن ما يميز هذين العيدين في الإسلام أنهنا مرتبطان بعبادات دينية يؤديها المسلم هما الصيام والحج.
وللعيد في الإسلام مقاصد عظيمة وأهداف جليلة، فهو يعد شكرا لله تعالى على أن وفق المسلم لطاعته في الصيام والحج؛ لذلك يفتتح المسلم هذين العيدين بعبادة الله تعالى بصلاة العيد والتكبير والتهليل التي سنها النبي عليه السلام، كما يعد العيد وسيلة لإشاعة الفرح والسرور بين أفراد المجتمع، غنيهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم؛ لذلك حث النبي عليه السلام على إغناء الفقراء وإسعادهم في هذا اليوم، فشرع صدقة الفطر لتكون سبباً لتحقيق الفرح والسرور لمن ضاقت بهم سبل العيش وحرموا من الفرح في الأيام الماضية، فقال عليه السلام: أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم.
كما أنه يعد مناسبة مهمة لصلة الرحم والتودد إليهم وتوثيق أواصر المحبة معهم، ففي هذا اليوم يتزاور الأقارب والأرحام وهي من الأمور التي حث عليها الإسلام بقوله عليه السلام: "من سرهُ أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه"، ومما يسهل ذلك ويساعد عليه أن هذا اليوم يكون يوم إجازة يستعين به المرء على تحقيق هذه الصلة.
وقد اعتبر الإسلام هذا اليوم من أيام الاجتماع الإنساني؛ حيث يلتقي فيه الملسمون يتصافحون فيما بينهم، يغفر بعضهم لبعض ويعفو بعضهم عن بعض، مما يزيد الألفة بينهم ويتحقق فيهم قوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" فكان الاجتماع لصلاة العيد وسيلة للقاء المسلمين وتقبل التهاني فيما بينهم، حتى إن النبي عليه كان عندما يذهب لصلاة العيد يذهب من طريق ويعود من طريق آخر؛ ليلتقي أكبر عدد من المسلمين في ذلك اليوم، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
لذا يجب على المسلم أن يشغل ذلك اليوم بما يدخل الفرح والسرور على نفسه وعلى المحيطين به، وأن يعيش فيه اللهو المباح الذي ليس فيه معصية ولا إثم، والأهم من ذلك أن يخصص لأسرته جزءاً من ذلك اليوم يدخل فيه السرور إلى نفوسهم والبهجة لأرواحهم.
ولا أظن أن المبادرة إلى زيارة القبور في ذلك اليوم من الاستهلال الجيد أو العمل المناسب، بل أرى ذلك يتناقض مع مقاصد العيد وغاياته وهو بدعة لم يرد به نص شرعي، فمن الجميل أن نستذكر أحبتنا الذين غادروا هذه الدنيا إلى رحاب الله وأن نستحضر طيفهم، ولكن ذكرنا لهم يكون بالدعاء لهم والصدقة عنهم، وليس بزيارة قبورهم، فزيارة القبور هي فقط لاستذكار الموت والاتعاظ به وهذا ليس له وقت محدد، ولكنها ليس برا ولا صلة للميت.
لا ينبغي أبداً أن نحول هذا اليوم من الفرح إلى حزن ومن السعادة إلى الكآبة، فهذه لا تحتاج ليوم خاص بها أو مناسبة معينة لتحقيقها.

التعليق