دور تصدير قطاع الخدمات في دعم الاقتصاد الوطني

تم نشره في الاثنين 25 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

م. فهد سعيد أبوجابر

 

لعل من أهم ركائز دعم الاقتصادات المتعثرة هو التوجه نحو التنويع في مصادر الدخل من التصدير لرفد الاقتصاد وضمان المرونة للتعاطي مع المتغيرات، وخصوصاً في حالة الأردن، الذي يعيش في إطار المتغيرات غير المتوقعة والسريعة، وذلك للخروج من إطار الرعوية إلى الاقتصاد القادر على الإنتاج.

لا يخفى على أحد أن الأردن يفتقر إلى الموارد الطبيعية كركيزة اقتصادية، وبالتالي تضعف المقومات التي تؤهله لأن يكون اقتصادا معتمدا بالدرجة الأولى على تصدير المنتجات والبضائع محلية المنشأ، وبهذا يبقى قطاع الخدمات الذي يعتمد بجدارة على المورد البشري وقدرته على تقديم خدمات متنوعة ومكملة لبعضها بحيث تعزز من تنافسيتها للتصدير إلى الخارج.

يتميز الأردن بمهنية كوادره البشرية في نطاق كبير من الخدمات، وهذه الحقيقة ليست بجديدة، فكان من أهم أقوال جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه "الإنسان أغلى ما نملك". فمن هنا يجب أن نتمعن بدراسة واقع قطاع تصدير الخدمات الذي يعتمد بجدارة على كفاءة الكوادر البشرية والأسس الإدارية المتطورة، والتخطيط لكيفية التركيز عليه للخروج بنتائج إيجابية تسهم في الحد من البطالة وتدعم الطبقة الوسطى وترفد الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الإطار، يجب النظر إلى تجارب دول أخرى نجحت في إعلاء دور تصدير قطاع الخدمات، ومن أبرزها الهند التي تمتاز بكوادر بشرية متعلمة ضخمة؛ حيث تطوّر التعليم الجامعي فيها خلال العقود الماضية، وأنتجت قوى عاملة في مجالات كالهندسة وتكنولوجيا المعلومات. عملت الحكومة الهندية منذ مطلع القرن الحالي بالشراكة مع القطاع الخاص لدعم قطاع الخدمات سعياً لخفض البطالة بين الجامعيين الذين يشكلون العمود الفقري للطبقة المتوسطة؛ إذ تمكنت خلال عقد من رفع نسبة مساهمة قطاع تصدير الخدمات في الناتج القومي لتصل إلى 50 % في بدايات العقد الحالي؛ إذ أدركت أهمية قطاع الخدمات للطبقة الوسطى، وبإمكان التصدير رفد القطاع بأعمال ومشاريع تزيد من استيعابه للكوادر. 

ووضعت الهند برامج للتشبيك بين القطاعات الخدمية لتقديم حلول متكاملة ومبتكرة، فعلى سبيل المثال، تشبيك قطاع الاستشارات الهندسية مع قطاع تكنولوجيا المعلومات وقطاعات دراسات الجدوى والدراسات البيئية والاقتصادية لتقديم حلول متكاملة منسجمة ومتجانسة مما يعزز المقدرة على تسويقها. كما قامت بالترويج للقطاع من خلال دعم بعثات تجارية للأسواق المستهدفة تركز على قطاع الخدمات.

ويمكن هنا معاينة مثال بهدف المقارنة بين قطاع الخدمات الهندسية في الأردن مع الهند. فالأردن معروف بوجود أعلى نسبة مهندسين في العالم لعدد السكان والتعليم الهندسي المتخصص في الأردن جيد بالمقارنة مع محيطه، علاوة على أن المهندس الأردني يمتاز بالمصداقية والالتزام والقدرة على الابتكار. وسعت كبريات الشركات الهندسية بمفردها لتصدير خدماتها ونجحت إلى حد كبير على فترات، رغم التحديات التي تتمثل بقلة التركيز الحكومي على دعم تصدير الخدمات، وخسارة الكفاءات التي ما تلبث أن تكتسب الخبرة في الشركات الأردنية حتى تستقطبها الشركات في دول الخليج، بالإضافة إلى الخسائر نتيجة اضطرابات الإقليم. وكان لتراجع قطاع الإنشاءات في الأسواق المستهدفة من القطاع الهندسي الأثر الأكبر على تراجع أدائه، فيما عجزت الحكومة عن دعم القطاع لاستهداف أسواق أخرى يمكن المنافسة بها، إضافة إلى دخول الهند بدعم من الحكومة للقطاع الخاص، كمنافس في أسواق الخليج الذي أثر سلبا على القطاع الهندسي الأردني.

أما الهند فاستطاعت، بغضون عقد، أن تعظم مدخول قطاع الاستشارات الهندسية من التصدير ليصل إلى 500 مليون دولار في العام الواحد وتشغيل ما يقارب 70 ألف مهندس، بالإضافة إلى برامج الترويج والدعم والإعفاءات والامتيازات والحوافز التي قدمتها للقطاع.

ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومة تطوير أو تحديث منصة بيانات لحصر الخبرات والإمكانيات بالتعاون مع النقابات والغرف التجارية والجهات المنظمة للمهن الخدمية، ولا بد من تفعيل دور وزارتي الاستثمار والصناعة التجارة للعمل مع الوزارات الأخرى المعنية بتنظيم وتأهيل قطاع الخدمات كوزارات الأشغال والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والصحة، لتطوير أنظمة تأهيل قطاعات الخدمات لتحاكي معايير التأهيل العالمية ليصبح بمقدور وزارتي الاستثمار والصناعة والتجارة تسويق القطاع الخاص الخدمي على أنه مؤهل بمعايير عالمية، من ثم تنظيم بعثات تجارية متخصصة لقطاعات الخدمات. ويجب أيضاً تفعيل دور السفراء والملحقيات التجارية وتعريفها بأهمية وخواص القطاعات الخدمية وتحفيزهم على جلب الفرص ومتابعتها. وأيضا يجب على الحكومة السعي لفتح مجالات العمل للمشاريع التنموية الكبرى في المنطقة والعالم من خلال العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات كمدينة نيوم، وأي مشاريع كبرى تسعى الدول الداعمة للأردن لتنفيذها.

ولا نغفل أن قطاع تكنولوجيا المعلومات في الأردن حظي بتجربة ناجحة لحد كبير بالدعم الحكومي والامتيازات، وكان للرعاية الملكية للتعريف بالقطاع وتسويقه الأثر الأكبر. ويجب تعميم هذه التجارب على باقي القطاعات الخدمية ووضع استراتيجية عمل واضحة لتحقيق الأهداف.

التعليق