قراءات تنومية

الفقراء ليسوا معنيين بإيصال ‘‘رأيهم" بل "فقرهم‘‘

تم نشره في الخميس 28 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • طفلا ينبشان حاوية -(تصوير: محمد أبو غوش)

أحمد أبو خليل

عمان - في إعداد تقاريرهم، يعتمد الصحفيون، جزئيا أو كلياً، على أسلوب الحوار المباشر أو عبر الهاتف من خلال السؤال والجواب للأطراف ذات الصلة، أي تتبع التصريحات، ويستهدف الصحفي تحقيق ما يُعرف في لغة مهنة الصحافة بـ"التوازن" في المادة الصحفية، ويجرى تعريف التوازن باشتراط عرض آراء الأطراف ذات العلاقة في القضية قيد التناول. لكن الأمر في حالة التغطيات المتصلة بالفقراء وقضاياهم يختلف بعض الشيء.
سوف نطرح الأمر من خلال السؤال البسيط التالي: هل يعني ورود رأي أشخاص فقراء إلى جانب رأي وزير أو مسؤول رسمي، في مادة صحفية واحدة دليلا كافياً على أن تلك المادة الصحفية "متوازنة"؟
دعونا نناقش الأمر..
تحدد الجهات الرسمية في العادة ناطقا رسميا، أي متخصصا في صياغة الآراء والمواقف والرد على الأسئلة، وهو بحكم صنعته يتقن طريقة عرض رأيه والدفاع عنه، وحتى عندما لا يكون هناك ناطق رسمي، فإن إجادة "النطق الرسمي" تعد من مواصفات المسؤول الجيد.
أما الحالة عند الطرف الآخر، أي الفقير نفسه، فهي مختلفة تماماً، إذ إن آخر ما يفكر به الفقير أن يعبر عن رأيه في فقره! إن التعبير عن الرأي بالنسبة للفقير ليس أولوية، وفي حالات كثيرة قد لا يمانع الفقير من تبديل رأيه إذا كان يتوقع أن في الأمر خيرا ما يعود عليه. وهو في الواقع ما يحصل في كثير من الحالات، وهذا بحد ذاته لا يعاب أو يلام عليه الفقير بالنظر إلى أولوياته.
في كثير من اللقاءات المهمة بين الأوساط الشعبية الفقيرة، التي تُعقد بحضور المسؤولين الكبار، يقام قبل الموعد ما يشبه "بروفة" مسبقة للقاء، يتحدد فيها مَن سيتحدث وبماذا سيتحدث وقد تُوزّع الأسئلة، وفي بعض الحالات تُلقّن الأجوبة على الأسئلة المتوقعة، وتسمى هذه البروفات لقاءات ترتيبية للاجتماع المهم. وفي اليوم التالي ينقل الإعلام المشهد الذي جرى أمامه، وما انطوى عليه من "مشهد" تمثيلي.
لا يجوز اعتماد كلام الفقراء على أنه تصريحات صحفية لأن الفقير عند حديثه عن فقره لا يكون معنيا بالجانب الإعلامي. ينبغي الالتفات إلى عنصر انعدام العدالة في توزيع "القدرة على التصريح"، ونظرا لاستحالة تحقيق المساواة بين الطرفين، على الصحفي أن يبحث عن وسيلة أخرى غير الأقوال والتصريحات، للوصول إلى موقف الفقير.
إن الفقير صاحب قضية أو صاحب مشكلة وهو لا يأبه كثيرا بطريقة التعبير عنها، وعندما يضطر للتعبير فإنه يحاول تقليد الإجابات التي يستمع إليها، وينظر هو والمحيطين به إلى الأمر بوصفه مشهدا جرى تمثيله بإتقان، ولهذا فإن مهمة إيصال رأي وموقف الفقير الفعلي هي مهمة الصحفي نفسه. وإن حق الفقير في إيصال معاناته عبر وسائل الإعلام لا يعني مجرد حقه في التعبير عن نفسه.
هذا يلقي بالمزيد من المسؤولية على الصحفي الذي عليه أن ينقل للقارئ حالة وصورة حقيقية عما يكتب عنه، وعندما لا تكون الأقوال والتصريحات كافية لنقل الصورة الحقيقية فإن على الصحفي أن يبحث عن أدوات أخرى.
المقابلة كبديل عن الحوار السريع
باستثناء ما يتعلق بالأحداث والمتابعات الإخبارية، فإن الحوار السريع مع الفقراء لا يسمح بالخروج بمادة صحفية منتجة، ومن الأنسب أن يعتمد الصحفي أسلوب المقابلة المباشرة الفردية او الجماعية. وفيما يلي بعض القواعد المقترحة للمقابلة مع الفقير:
• يفضل أن لا تكون أسئلة الصحفي من النوع الذي يتطلب إجابة مختصرة، وعلى الصحفي أن يترك الفقير يتحدث، وأن تكون الأسئلة ذات طابع يفتح المجال للاسترسال والشرح في حالة رغب الفقير بذلك. فالفقير يمكن أن يقدم إجابة نموذجية مثل "الحمد لله" على كثير من الأسئلة، ومنها السؤال حول مطالبه مثلاً. وعلى الصحفي أن يبحث فيما وراء الإجابة السريعة تلك، ولكن بلطف.
• ضرورة أن لا تكون المقابلة مع الفقير محددة بوقت ضيق أو أن يُطلب من الفقير أن يكون جاهزا في أية لحظة. فرغم أن الفقير غالباً سيتسجيب ولكنه يكون في هذه الحالة مربكا وربما خائفا. وعلى الصحفي أن يتجنب اللجوء إلى الهاتف لإجراء مقابلة مع الفقراء لأن المعاينة جزء أساسي من العمل الصحفي في أوساط المجتمعات الفقيرة.
• على الصحفي أن ينتبه جيداً إلى تعبيراته الجسدية، وعليه أن يتجنب إظهار الملل أو عدم الاهتمام أو الاستهانة والسخرية مما يسمع، مثل أن تظهر منه ابتسامة استخفافا بفكرة قالها الفقير، فهذا سيربكه ويحول دون عفويته وصدقه في تقديم الإجابات.
• إذا لاحظ الصحفي أن الفقير يظهر قدرا من التردد في رواية أحداث أو وقائع يراها مخجلة، على الصحفي أن يخفف من حرجه، مثل أن يقول له إن هذا حدث معنا أو في قريتنا، أو ما شابه من عبارات توفر قدرا من الإلفة والثقة.
• تقنية المقابلة المفتوحة الفردية أو الجماعية تجعل المستجوبين يحاورون بعضهم البعض مما يحول دون المبالغات أو المزاعم، ويوفر الفرصة للصحفي لاستيعاب أفضل للقضية التي يتابعها.
• في كثير من جوانب قضايا الفقر والفقراء يتدخل المستويان الكلي والجزئي (في المجتمع والاقتصاد)، وهو ما يتطلب من الصحفي عند صياغة تقريره أن يتقن الانتقال بين هذين المستويين، لأن الاقتصار على أحدهما قد يخل بالمعنى الذي يتوخى الصحفي إيصاله.
• لا تستخدم عبارات مثل: "إنك تقول كلاما غير مفهوم" أو "إنك تريد قول كذا وكذا". فمثل هذه العبارات تجعل المتحدث يشعر بأنه لا يجيد الكلام وسوف يوافقك حتى لو لم يكن هذا رأيه. يمكنك للاستيضاح أن تقول له انك لم تتمكن من فهمه. ضع نفسك في موقع المتسائل ولا تلق باللائمة عليه، تذكر دائماً أنه غير مختص بالتحليل والشرح ولا يملك القدرة على ذلك، من دون ان يشكل ذلك عيبا كما هي الحال عند مقابلتك مع شخص في سياق آخر مسؤول أو موظف أو مثقف..
• فقراء الأردن يقطنون غالبا خارج المدن أو في أحياء مدنية ذات طبيعة اجتماعية خاصة، وهو ما يعني ان على الصحفي أن يكون على دراية مسبقة بخصائص المجتمع المحلي وثقافته.
• المقابلات مع الفقراء ينبغي أن تجرى باحترام وعلى الصحفي أن يتحاشى إبداء الضيق. فإذا قدم لك ماء أو ضيافة بسيطة أن تقبلها فهي لا تشبه قبول الضيافة من جهة مقتدرة تعتبر المضيف مسيطرا في العلاقة مع الضيف، وعلى الصحفي أن يتقن الفرق بين أن يكون ضيفاً ثقيلا على الفقراء وبين قبول الضيافة البسيطة، فإذا دعاك للطعام مثلاً، كن على علم أنه عادة غير قادر على تقديم طعام فعلاً، ولكن اعتذر منه بعبارة تحفظ كرامته، قل له مثلا: لولا أني أكلت للتو لكنت تشرفت بقبول دعوتك. أو اعتذر له بانشغالك، وأنك ستعود إليه ضيفاً بشكل مخصوص.
• على الصحفي أن يدرك طوال المقابلة مع الفقراء أن محدثيه منتبهون في العادة ويلتفتون إلى كل ما يجري أمامهم، حتى لو بدا لهم غير ذلك. فالفقير أكثر حساسية من الصحفي لأن الموضوع بالنسبة إليه يتعلق بحياته ومجريات يوميه وبمستقبله أيضاً، بينما الصحفي سينتقل إلى قضية أخرى فور أن ينتهي مما بين يديه.
• ضرورة احترام رأي الفقير مهما كان. دعه يشعر أن كلامه مهما، لا تقل له عبارات مثل: أنا لم أسألك عن هذا، أو أنت لم تفهم سؤالي، ولا تتساءل متبرما: كيف يمكنني أن أفهمك!. تذكر دوماً أنه يعرف أشياء لا تعرفها أنت، وأنك أنت من يحتاج إليه كمصدر للمعلومات تماما كما تبحث وراء الشخصية العامة أو المسؤول الكبير وصاحب القرار بحثاً عن المعلومات. في الحالتين مهمتك واحدة: الوصول إلى المعلومة وإلى الحقيقة وإيصالها للجمهور.

التعليق