موفق ملكاوي

ما هو السرطان؟

تم نشره في السبت 30 حزيران / يونيو 2018. 12:05 صباحاً

منذ أن وعيت على هذه الدنيا، كنت أسمع الجميع يتحدثون عن السرطان. يقولون إنه مرض خطير، ويستذكرون كثيرين قضوا به. كنت أشفق على أولئك الغريبين الذين لا أعرفهم، غير أنني لم أتوقف كثيرا عندهم، ولا عند المرض الغامض.

بصراحة لم أهتم لذلك المرض، فقد اعتبرته بعيدا حد أنني لا أعلم وجوه أولئك الذين عانوا منه.

كان الأمر بالنسبة إلي أشبه ما يكون بدخان يتصاعد من مكان غامض فيشكل خيالات هلامية غير حقيقية. من يحفل بالسرابات، إذن! وما حاجتي لأن أعرف ما هو هذا المرض الذي يتحاشى الناس حتى ذكر اسمه، فيقولون "هذاك المرض"!!

تستطيع أن تتحاشى المعرفة طويلا. تستطيع أن تبني بينك وبينها جدارا عاليا وطويلا. لكن.. في لحظة ما ربما سوف تضطر إلى اللهاث خلف أي معلومة قد تضيء لك هذا السر الغامض الكريه.

منذ تشرين الأول الماضي، اختبرت إصابة عزيز بهذا المرض. إنها شقيقتي التي تصغرني بأعوام. عندها اكتشفت أنني جاهل به، وأنني لا أعرف ما هو، ولا كيف يتشكل، ولا طبيعة مراحله وأوجاعه، ولا ما الذي يتوجب علي القيام به تجاه شقيقتي.

في كل مفصل من مفاصل حياة الإنسان، تتبدى أمامه شخصية مغايرة، يكون كما لو أنه يكتشفها للمرة الأولى. وهذا هو تماما ما يحصل حين تواجه مجهولا يحاول أن يسيطر عليك. يبدأ بتعرية ضعفك وقلة حيلتك وهشاشتك، بحيث لا يعود أمامك سوى الاستسلام. ولكن، حتى الاستسلام، فإنه يكون غير متاح في كثير من الأحيان.

لا يلومك أحد على تجاهل معرفة لا تحتاجها، ولكنك ستكون أول من يلوم نفسك على تفريطك بمعرفة حول أمر تتعامل معه بشكل يومي. فمنذ شتاء العام الماضي، وأنا ألهث خلف أي معلومة عن المرض. أحاول جاهدا أن أرمم جهلي الطويل به، وأن أتعلق بأمنيات صغيرة عن كشوفات وفتوحات طبية قد تصنع فرقا في حياة شقيقتي.

لكن أسوأ ما قد يحصل لك خلال محاولة تعايشك مع هذا النوع من الأمراض لأحباء، ليس الجهل ولا الارتباك أو مقاومة الاستسلام، بل هو الفصام الذي يتوجب عليك اختباره. ففي حين يكون مطلوبا منك أن تعيش حياتك بطبيعية أمام الناس، وأن تذهب إلى عملك باسما، وتجتمع بأناس يثرثرون بجميع أنواع الأحاديث، وأن تكون لطيفا وودودا ومتفهما لحاجاتهم وظروفهم.. هناك ليل طويل تتعلق فيه بكل ذكرى وكل أمل.. وتختبر فيه الألم من احتمالات الخسارة والغياب.

ما هو السرطان؟

رغم أنني حاولت معرفته خلال الأشهر الأخيرة، إلا أنني ما أزال عاجزا عن تمثّل معناه الحقيقي. هو عندي لا يمتلك سوى معنى مبدد الوهم. وهمُ الحياة الشقية التي نحاول أن نتصالح معها.. فترفضنا.

التعليق