يلعبون الغماية

تم نشره في الأربعاء 4 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

معاريف

زلمان شوفال

3/7/2018

في 1947 عينت الجمعية العمومية للأمم المتحدة لجنة خاصة لشؤون بلاد اسرائيل. 11 عضوا في اللجنة، كلهم يمثلون دولا عادية وليس قوى عظمى، تجولوا على طول وعرض البلاد، التقوا ممثلين عن الحاضرة اليهودية – سياسييها، خبراءها الفنيين، الاقتصاديين وما شابه – واخذوا الانطباع من قدرة الجمهور اليهودي في البلاد على اقامة دولة مستقلة تؤدي مهامها. اما القيادة العربية برئاسة المفتي المقدسي، بالمقابل، فقد قاطعت لجنة الامم المتحدة، رفضت التعاون معها، ومنعت رؤساء المدن والممثلين المحليين من اللقاء مع اعضائها. وكل ما تبقى – كما يقال – تاريخ.
ابو مازن، خليفة المفتي، يتخذ بالضبط ذات النهج، أي الرفض التام للتعاون بل وحتى اللقاء مع الفريق الأميركي برئاسة جيسون غرينبلت وجارد كوشنير الذين عينه الرئيس ترامب كي يعمل على "الحل المطلق" خاصته للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. الحجة التي على لسان ابو مازن ورجاله هي انه لا معنى ظاهر للقاء مع فريق موقفه ومواقف من عينه منحازة مسبقا لصالح اسرائيل، ولكن السبب الحقيقي لرفضه هو أن الفلسطينيين، منذ البداية، يواصلون استراتيجيتهم، وليس فقط تكتيكيا، في الامتناع عن كل خطوة سياسية، اميركية أو غيرها، من شأنها ان تلزمهم بخوض مفاوضات على المواضيع الجوهرية للنزاع، أي المواضيع التي من شأنها ان تطلب منهم حلولا وسطا أو تنازلات في مسائل مثل اللاجئين، الحدود، القدس وما شابه، فما بالك التوقيع على اتفاق سلام نهائي وكامل مع دولة لا يوافقون على الاعتراف بمجرد حقها في الوجود كدولة الشعب اليهودي.
بهذه الاستراتيجية والتكتيك، يتمسك الطرف الفلسطيني بلا أي انحرافات تقريبا منذ 1967 – صحيح أن هناك بين الحين والاخر بعض التعديلات، كموافقتهم الظاهرة على المفاوضات في فترات رئاسة كلينتون واوباما، او مسرحيات الغش مع ايهود باراك، ايهود اولمرت وتسيبي لفني، والتي وصلت كلها الى منتهاها في اللحظة التي وصلت فيها المفاوضات الى المرحلة التي يتعين فيها على الطرف الفلسطيني أن يتخذ قرارات ملموسة. وحدها المفاوضات على اتفاق اوسلو (وهذا ايضا في قسمه الاول فقط) كانت مختلفة قليلا، وذلك لانه بدا للفلسطينيين بانهم فازوا بكل الصندوق، دون ان يضطروا الى تقديم تنازلات عملية من جانبهم.
والى أين يصل بنا هذا الامر من ناحية "الحل المطلق"؟ يحتمل الى اللامكان. ففي دوائر الرئيس ترامب وان كانت اطلقت تهديدات بانه اذا رفض الفلسطينيون الدخول في مفاوضات، فان من شأنهم أن يجدوا أنفسهم امام حل مفروض، ولكن معقول أكثر الافتراض، مثلما تشهد ايضا جولات غرينبلت وكوشنير في المنطقة، فان الادارة ما تزال تأمل بان جملة ضغوط وامتيازات اقتصادية ستثني أبو مازن وجماعته.
لم نبحث هنا في أن الحل الأميركي من شأنه أن يضع اسرائيل ايضا امام الحاجة الى اتخاذ قرارات اشكالية، سواء من ناحية سياسية أم من ناحية حزبية داخلية، ومعقول الافتراض بان هذه المواضيع كانت في مركز اللقاء الذي استغرق أربع ساعات بين نتنياهو والفريق الأميركي. لا نعرف اذا كانت تفاصيل الصيغة قد بسطت امام رئيس الوزراء، ولكن يمكن التقدير بان مبادئها معروفة له، وفي واقع الأمر فان كل من هو ضالع في المسألة الاسرائيلية – الفلسطينية يمكنه أن يقدر ما هي علائمها الاساسية. وبين هذا وذاك، فان الدبلوماسية الحكيمة ستمنع عنا التعبير عنها علنا أو الدخول في جدال عابث مع اصدقائنا الأميركيين، طالما يواصل الفلسطينيون لعب الغماية.

التعليق