أوروبا والهجرة الذكية

تم نشره في السبت 14 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • مهاجرون يدرسون في معهد للغة في أوروبا - (أرشيفية)

سامي محروم*

باريس - تحظى العناوين الرئيسية المتعلقة بالهجرة في أوروبا باهتمام الكثيرين، سواء كانت قصة مهاجر مالي غير قانوني يتسلق مبنى في باريس لإنقاذ طفل صغير، أو خبرا عن تشكيل حكومة شعبوية في إيطاليا تهدف إلى ترحيل نصف مليون مهاجر. ومع ذلك، وعلى الرغم من التغطية المستمرة لقضية الهجرة -أو على الأرجح بسببها- فإن النقاش حول سياسة الهجرة يظل محاطاً بالمفاهيم الخاطئة والتسييس.

في المملكة المتحدة، كان التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مدفوعا جزئيا بمزاعم كاذبة ومغلوطة عن أن تلك الهجرة غير المقيدة من بقية أوروبا كانت تؤدي إلى انخفاض الأجور. ومنذ التصويت، واجهت الحملة المناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تشوهات مماثلة، مع التحذير من أن المملكة المتحدة ستواجه نقصاً في المهارات بمجرد تركها الاتحاد الأوروبي. لكن الكثير من الدول -مثل أستراليا وكندا وسنغافورة- تعمل بشكل جيد من دون وجود اتفاقات تضمن حرية الحركة من الدول الأخرى، من خلال إصدار تأشيرات دخول مطابقة للمهارات.

أدت مثل هذه الاختلالات، من قبل القوى المؤيدة والمناهضة للهجرة في جميع أنحاء أوروبا، إلى فض النقاش المتواصل حول هذا الموضوع. وحتى عند قيام الأطراف بتحليل معقول لتكلفة الأثر الاقتصادي للهجرة، فإنها تميل فقط إلى الاستشهاد بالدراسات والبيانات التي تدعم وجهة نظرها الخاصة، وهو ما يحول دون الاتفاق على حلول مبتكرة وفعالة.

بالنظر إلى السنوات التي قضيتُها في دراسة الهجرة الدولية للعمال ذوي المهارات العالية، ناهيك عن تجربتي كمهاجر، يجب أن يبدأ النقاش المنطقي والمتوازن حول الهجرة من وجهة نظر المهاجرين أنفسهم. ما الذي يدفع الشخص للانتقال إلى بلد جديد وغير معروف له عادة؟

من خلال الإجابة عن هذا السؤال، يتضح أن الهجرة هي ظاهرة متنوعة للغاية، اعتماداً على تأثيرها على مجموعة متنوعة من العوامل مثل الجنسية ومستوى المهارة والمدة المقصودة للبقاء في الخارج والدوافع. وتختلف خبرة طبيب أخصائي ينتقل بشكل دائم من الهند إلى المملكة المتحدة عن خبرة عامل بناء من رومانيا يسعى وراء الحصول على راتب أفضل في فرنسا. وبدءا من سهولة الرحلة إلى الظروف المعيشية التي يمرون بها، تختلف تجارب كلاهما كثيراً عن تجارب لاجئ سوري يأمل العيش في ألمانيا في انتظار نهاية الحرب الأهلية في بلده.

لكن ما تشترك فيه هذه التجارب هو أنها مدفوعة بشكل عام بالرغبة في رفع مستوى معيشة المرء، سواء من خلال وضع أكثر أهمية، أو راتب أعلى، أو زيادة السلامة الجسدية. وباختصار، يريد المهاجرون حياة أفضل -وليس ثقافة أو هوية جديدة.

إن المهاجرين الاقتصاديين، على وجه الخصوص، هم ببساطة باحثون عن عمل من بلدان أخرى. ولو تم إيجاد عمل مماثل لهم في بلدانهم، فإنهم قد لا يهاجرون على الإطلاق. بوهذا المعنى، يتمحور تحدي الهجرة الاقتصادية نحو خلق فرص عمل.  

لذلك، ينبغي إعطاء المهاجرين الاقتصاديين الوظائف التي يحتاجونها، من خلال وكالات الوساطة في العمل لفائدة البلدان الرئيسية المرسلة للمهاجرين. ويمكن أيضاً إنشاء برنامج مستوحى من برنامج التبادل بين دول الاتحاد الأوروبي وتركيا -والذي يمكن من خلاله تحديد عدد تأشيرات العمل المتناوب عنها المتاحة لبلد ما حسب عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يبحثون عن عمل في هذا البلد. 

وبطبيعة الحال، يجب أن تتم حماية حقوق المهاجرين كعمال أجانب عند وصولهم إلى البلد المضيف. لكنهم لا يحتاجون إلى منحهم حق الوصول الكامل إلى الحقوق السياسية والمزايا الاجتماعية لمواطني المجتمع المضيف.

هذا هو النظام المعمول به في الإمارات العربية المتحدة، حيث يشتغل الملايين من العمال الأجانب طوعاً. وهم يعرفون أنهم سوف يتمتعون بحماية العمل وحقوق الإنسان، مع إمكانية ملاحقة الإساءات قضائياً بموجب القانون، ولكن من دون أي امتيازات إضافية. ويتيح هذا النظام لدولة الإمارات العربية المتحدة منح ما يقرب من ثمانية ملايين شخص فرصة لرفع مستويات معيشتهم، مع تجنب إثارة رد فعل عنيف من السكان الأصليين.

قد يحقق الحل المبتكر الآخر نجاحاً في بعض المناطق، والذي يكمن في مخطط "تصريح G" السويسري، وهو متاح للأجانب الذين يعيشون في منطقة حدودية في بلدهم الأصلي ويعملون في منطقة حدودية في سويسرا. (تم إنشاء المناطق الحدودية بموجب معاهدة). ويجب على جميع المسافرين العابرين للحدود العودة إلى وطنهم مرة واحدة على الأقل في الأسبوع. هفل يستطيع الاتحاد الأوروبي إنشاء "منطقة حدودية" خاصة به تسمح بنظام التنقل المرن للعمال غير الدائمين من أفريقيا والشرق الأدنى؟

قد يبدو حرمان المهاجرين من الامتيازات المرتبطة بالعيش في البلد المضيف متناقضاً مع القيم الليبرالية الأوروبية التقليدية وقيم المساواة. وباعتباري شخصاً ليبرالياً، فإنني أتشارك هذه القيم، وهو ما يجعلني أدرك أن اعتبارها مسألة سياسية يؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض مصالح المهاجرين. ومع تنامي نفوذ القوى السياسية المعادية للمهاجرين في جميع أنحاء أوروبا، على المرء أن يسأل عما إذا كان سيتم قبول القادمين الجدد الذين يسعون للحصول على وظيفة على أساس مشروط (على الأرجح لفترة محدودة)، أو أ،ه لن يتم قبولهم على الإطلاق.

تثير الهجرة المتحيزة للمهارات معضلة مماثلة. يوعتقد الكثيرون في أوروبا بأن هذا النهج لا يميز فقط ضد أضعف مجموعات المهاجرين، بل يؤدي أيضاً إلى هجرة الأدمغة من البلدان التي تحتاج إلى عمال ذوي مهارات عالية.

ولكن، مرة أخرى، يجب على المرء التأكد من المفاضلة. قد يتمكن المهاجرون الماهرون من الاندماج في المجتمع المضيف بكل سهولة، حيث يمكنهم إحداث قيمة مضافة. وهذا يتيح بناء الجسور الثقافية بين المجتمعات المضيفة والبلدان الأصلية. والأهم من ذلك، يمكن لهؤلاء المهاجرين أن يبعثوا المزيد من الأموال إلى بلدانهم من خلال حوالات مالية أكثر مما كان بإمكانهم المساهمة في الضرائب لو أنهم ظلوا هناك.

لطالما كانت قضية الهجرة تشكل عائقاً أمام الاتحاد الأوروبي، بسبب إثارة المخاوف والاستغلال العاطفي الذي أعاق النقاش البناء. وللحد من هذه الأزمة، يجب إنشاء عقد اجتماعي للمهاجرين الاقتصاديين على المستوى الوطني ومستوى الاتحاد الأوروبي. ومن شأن "عقد حقوق للعمال الأجانب" مماثل أن يحمي حقوق المهاجرين ويقيد امتيازاتهم الاجتماعية.

عندما لا تعود الهجرة تهيمن على جدول الأعمال السياسي، قد يتمكن الاتحاد الأوروبي في النهاية من مواجهة التحديات الكبيرة التي تعترضه، من خلال نهج تعاوني وإبداعي مماثل.

 

*مدير مبادرة الابتكار والسياسة في "إنسياد"، وهو عضو في المجموعة الإستراتيجية الإقليمية التابعة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، وزميل غير مقيم في مجلس لشبونة.

*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق