جدي (الفاردة)!

تم نشره في الأربعاء 18 تموز / يوليو 2018. 12:05 صباحاً

منذ أيام طارت كل الأفكار من رأسي وسيطر على تفكيري مقال كنت قد كتبته قبل سنوات طويلة عن جدي (الفاردة)، وربما ما شغل بالي هو هل تحسن وضع الجدي بعد كل تلك السنوات من الإصلاح السياسي والمالي؟!
قبل أن تنشط منظمات حقوق الحيوان في بلدنا، كان من عادات الأردنيين عندما يذهب أهل العريس لإحضار العروس أن يصطحبوا معهم (جِدي) هدية لوالد العروس وتكريما له.
المهم قبل أن تتحرك (الفاردة) تجد أن (الجدي) لا يشكو من أي شيء عاقل وهادئ وابن ناس، لكن ما إن تتحرك (الفاردة) باتجاه أهل العروس حتى يصاب (الجدي) بـ(الصرع) من زوامير السيارات وزغاريد النساء وأهازيج الشباب وكمية  العيارات النارية التي تطلق في الفاردة.
وما إن تصل (الفاردة) إلى بيت أهل (العروس) تنقسم الى قسمين.. قسم يقوم بزفة العريس الى عروسه.. والقسم الثاني يحاول السيطرة على (الجدي) الذي أصابته حالة من (الجنون) بعد أن يتم إنزاله من صندوق (البكم).. وبعد جهد جهيد ومحاولات متكررة من (الجدي) للهروب أو الانتحار تتم السيطرة عليه من قبل شباب (الفاردة) وإدخاله الى (حوش) أهل العروس.. وعندما يبدأ أبو العروس بمعاتبة أهل العريس على إحضارهم الجدي بـ(لويش مغلبين حالكو)؟!! تجد (الجدي) في هذه الحالة يرقب والد (العروس) بالذات نظرة حقد وغل وفي داخله يقول: ما لقيت غير هظول تعطيهم بنتك.. إذا أنا بأقل من نص ساعة جابولي (صرع) وتليف على الكبد فكيف بابنتك التي ستعيش معهم باقي العمر!!
المهم بعد أن يتم ربط (الجدي) في (حوش) المنزل ويهدأ الجميع لبدء مراسم طلب الأمانة من أصحابها، يقف كبير (الجاهة) للحديث والجميع صامت إلا الجدي ما يزال يصرخ بأعلى صوته: مااااااااااااااااع!! وكأنه يريد أن يستنجد بالشرطة ليتم القبض على جميع المشاركين في الفاردة متلبسين بعد أن سببوا له انهيارا عصبيا، وبعد أن يقف كبير أهل العروس ليعلن عن ترحبيه بهم وتسليمهم الأمانة تجد الجدي يصرخ مرة أخرى: مااااااااااااااع!! وكأنه يريد أن يقول له: خطيتك برقبتي لا تعطيهم العروس.. هؤلاء تنظيم إرهابي لازم تسلمهم لأجهزة الأمن مش تسلمهم عروس!!
بعد خروج العروس مع عريسها ويبدأ أهل العريس بالمغادرة يبدأ (الجدي) بالصراخ مرة أخرى وبالذات عند مشاهدته شوفير (البكم) الذي قام باصطحابه في الفاردة، فهو بوده لو يشتمه!
لم نشعر نحن الأردنيين بما كنّا نسببه لجدي (الفاردة) من تعب نفسي وعصبي شديد إلا بعد أن دارت الأيام وأصبحنا مكانه.. فاليوم لا تسمع إلا زوامير نيابية، وزغاريد حكومية، وإطلاق وعود هلامية.. وصفقات هنا وهناك، بحيث تشعر حقيقة بمرارة ما كان يشعر به جدي (الفاردة) من تعب نفسي وأرق.. إلا أن مصيبتا قد تكون أعظم من مصيبة جدي (الفاردة)، فهذا الجدي في اليوم التالي كان في الطنجرة والأجاويد دحبروه، بينما نحن ما نزال حتى اليوم ترفض الحكومة عتق رقابنا من مشاركتها في فاردات سد العجز والمديونية والتنمية، وما تزال تضعنا في بكمها بدون أن يكون لنا قدرة على أن نستوعب خططها واستراتيجياتها ورفعاتها وضرائبها بعد.
إذا ما سألتني عما يدور في وطني من تناقضات في كل المجالات، فأنا بكل صراحة وبدون خوف أو تردد.. أنا الآن مثل جدي (الفاردة).

التعليق