كيف سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل النظام العالمي: المنافسة القادمة بين الاستبدادية الرقمية والديمقراطية الليبرالية

تم نشره في الأحد 22 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • رجل آلي يدرس البيانات في حاسوب لوحي -(أرشيفية)
  • شرطي صيني يتفحص هوية رجل في أحد شوارع كاشغر، في منطقة شينغيانغ الإيغورية المسلمة – (أرشيفية)

نيكولاس رايت* - (فورين أفيرز) 10/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

هيمنت على النقاش حول آثار الذكاء الاصطناعي ثيمتان. الأولى هي الخوف من التفرد singularity، وهو حدث يتجاوز فيه الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري ويفلت من السيطرة البشرية، وهو ما قد تكون له تداعيات كارثية. والأخرى هي القلق من أن تسمح ثورة صناعية جديدة للآلات بتعطيل البشر والحلول محلهم في كل -أو تقريباً في كل- مجال في المجتمع، من النقل إلى الجيش إلى الرعاية الصحية.
كما أن هناك أيضاً طريق ثالث، والذي يعِد فيه الذكاء الاصطناعي بإعادة تشكيل العالم. فمن خلال السماح للحكومات بأن ترصد، وتفهم وتسيطر على مواطنيها بشكل أكثر قرباً بكثير من أي وقت مضى، سوف يقدم الذكاء الاصطناعي للدول الاستبدادية بديلاً مقبولاً للديمقراطية الليبرالية، والأول منذ نهاية الحرب الباردة. وسوف يؤدي ذلك إلى تجدد المنافسة بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة.
على مدى عقود، اعتقد معظم المنظرين السياسيين أن الديمقراطية الليبرالية تقدم السبيل الوحيد إلى النجاح الاقتصادي المستدام. إما أن تتمكن الحكومات من قمع شعبها وتبقى فقيرة، أو أنها تحررهم وتحصد الفوائد الاقتصادية. وقد استطاعت بعض الدول القمعية أن تنمي اقتصاداتها لبعض الوقت، لكن الاستبداد عنى الركود دائماً على المدى الطويل. ويَعِد الذكاء الاصطناعي هذه الثنائية. ويعرض طريقة معقولة للدول الكبيرة المتقدمة اقتصادياً لجعل مواطنيها أغنياء، بينما تحتفظ بالسيطرة عليهم أيضاً.
وقد بدأت بعض الدول بالتحرك مسبقاً في هذا الاتجاه. فبدأت الصين بناء دولة استبدادية رقمية عن طريق استخدام الرقابة وأدوات المعرفة الآلية للسيطرة على السكان غير المستقرين، عن طريق خلق ما تسميه "نظام الائتمان الاجتماعي". كما بدأت بلدان أخرى من ذوات العقلية المماثلة بشراء الأنظمة الصينية ومحاكاتها. وتماماً كما ميزت المنافسة بين الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، والفاشية، والشيوعية الكثير من فترات القرن العشرين، فإن الصراع بين الليبرالية الديمقراطية والاستبدادية الرقمية مهيأ لتعريف القرن الحادي والعشرين.
الاستبدادية الرقمية
سوف تتيح التقنيات الجديدة مستويات عالية من السيطرة الاجتماعية بكلفة معقولة. وسوف تتمكن الحكومة من أن ترصد بطريقة انتقائية الموضوعات والسلوكيات لتسمح للمعلومات الخاصة بالأنشطة المنتجة اقتصادياً بالتدفق بحرية، بينما تقوم بحجب المناقشات السياسية التي ربما تدمر النظام. ويوفر ما يدعى "الحائط الناري العظيم"Great Firewall  (1) في الصين عرضاً مبكراً لهذا النوع من الرقابة الانتقائية.
تماماً مثل مراقبة الخطاب بأثر رجعي، سوف يسمح الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة Big data (2) بالسيطرة التنبؤية على المعارضين المحتملين. وسوف يشبه ذلك استهداف مستهلك أمازون أو غوغل، لكنه سيكون أكثر فعالية بكثير، حيث ستتمكن الحكومات الاستبدادية من الاعتماد على البيانات بطرق ليس مسموحاً بها في الديمقراطية الليبرالية. ولدى أمازون وغوغل وصول فقط إلى البيانات القادمة من بعض الحسابات والأجهزة؛ لكن ذكاءاً اصطناعياً مصمماً للسيطرة الاجتماعية سوف يستخلص البيانات من تعدد من الأجهزة التي يتفاعل معها المرء في حياته اليومية. بل إن الأكثر أهمية هو أن الأنظمة الاستبدادية لن يكون لديها أي وازع من ضمير عن جمع مثل هذه البيانات مع معلومات من الإقرارات الضريبية، والسجلات الطبية، والسجلات الجنائية، وعيادات الصحة الجنسية، وكشوف البيانات المصرفية، والمسوحات الجينية، والمعلومات الفيزيائية (مثل الموقع، والقياسات الحيوية، ورصد الدوائر التلفزيونية المغلقة باستخدام برمجيات التعرف على الوجه)، ومعلومات تم جمعها من العائلة والأصدقاء. والذكاء الاصطناعي جيد بقدر ما هي المعلومات التي يكون له وصول إليها. وللأسف، سوف تثبت كمية ونوعية البيانات المتاحة لدى الحكومات عن كل مواطن أنها ممتازة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
حتى مجرد وجود هذا النوع من السيطرة التنبؤية سوف يساعد المستبدين. ربما كانت الرقابة الذاتية هي أهم آلية ضبط وتأديب استخدمها جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية. وسوف يجعل الذكاء الاصطناعي من هذا التكتيك أكثر فعالية بشكل كبير. سوف يعرف الناس أن المراقبة كلية الحضور لنشاطاتهم الرقمية والجسدية سوف تُستخدم للتنبؤ بسلوكهم غير المرغوب، بل وحتى الأفعال التي يفكرون فيها فقط. ومن منظور تقني، لا تختلف هذه التنبؤات عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية للتنبؤ بالأمراض في الأشخاص الذين يبدون أصحاء قبل أن تظهر أعراض هذه الأمراض.
من أجل منع النظام من تقديم تنبؤات سلبية، سوف يشرع عدد كبير من الناس في تقليد سلوك عضو "مسؤول" في المجتمع. ويمكن أن يكون ذلك دقيقاً بقدر كم تنظر عينا المرء إلى العناصر المختلفة على شاشة هاتف. وسوف يقوم ذلك بتحسين السيطرة الاجتماعية، ليس فقط عن طريق إجبار النار على التصرف بطرق معينة، وإنما عن طريق تغيير الطريقة التي يفكرون بها. وثمة اكتشاف مركزي في علم التأثير الإدراكي، هو أن جعل الناس يؤدون السلوكيات يستطيع أن يغير مواقفهم ويقود إلى عادات مُعزِّزة لذاتها. وسوف يؤدي جعل الناس يعرضون موقفاً ويشرحوه إلى جعلهم أكثر احتمالاً لدعمه، وهو تكنيك استخدمه الصينيون على أسرى الحرب الأميركيين خلال الحرب الكورية. ويعرف مندوبو المبيعات أن جعل زبون محتمل يؤدي سلوكيات صغيرة يمكن أن يغير موقفه ليطلب طلبات أكبر في وقت لاحق. وقد أظهرت أكثر من 60 عاماً من العمل المخبري والميداني قدرة البشر التي لا تصدق على ترشيد وعقلنة سلوكهم.
بالإضافة إلى السيطرة الأكثر فعالية، يعِد الذكاء الاصطناعي أيضاً بسيطرة أفضل على التخطيط الاقتصادي. وكما يقول جاك ما، مؤسس شركة "علي بابا" الصينية العملاقة للتكنولوجيا، فإن السلطات المركزية تستطيع بامتلاك ما يكفي من المعلومات أن توجه الاقتصاد على طريق تخطيط قوى السوق والتنبؤ بها. وبدلاً من الخطط البطيئة،غير المرنة على طريقة حجم واحد يناسب الجميع، فإن الذكاء الاصطناعي يعِد باستجابات سريعة ومفصلة لحاجات المستهلكين.
ليس هناك أي ضمان على أن هذا النوع من الاستبدادية الرقمية ستعمل على المدى البعيد، لكنها ربما لا تحتاج لأن تفعل، طالما أنها ظلت نموذجاً مقبولاً يمكن أن تستخدمه بعض البلدان. وسوف يكون هذا كافياً لإثارة منافسة أيديولوجية جديدة. وإذا شرعت الحكومات في رؤية الاستبداد الرقمي كبديل عملي وقابل للحياة للديمقراطية الليبرالية، فإنها ستشعر بأنها متحررة من الضغط لتصبح ليبرالية. وحتى لو أخفق النموذج في النهاية، فإن المحاولات لتطبيقه يمكن أن تدوم لوقت طويل. وقد انهارت الأنظمة الشيوعية والفاشية فقط بعد أن فشلت محاولات شاملة لتطبيقها في العالم الحقيقي.
خلق وتصدير دولة ترى كل شيء
بغض النظر عن مدى الفائدة التي قد يحققها نظام رقابة اجتماعية لنظام ما، فإن بناء واحد لن يكون سهلاً. فمن المعروف أن مشاريع تكولوجيا المعلومات الضخمة هي شأن صعب التنفيذ. وهي تتطلب مستويات عالية من التنسيق، وتمويلاً سخياً، والكثير من الخبرة. ولتكوين إحساس حول ما إذا كانت مثل هذه المشاريع ممكنة أم لا، من الجدير النظر إلى الصين، أهم بلد غير غربي ربما يبنى واحداً منها.
برهنت الصين على أنها يمكن أن تنشئ مشايع تكنولوجيا معلومات هائلة تشمل المجتمع كله، مثل "جدار النار العظيم". كما أن لديها المال لتبني أنظمة رئيسية جديدة. وفي العام الماضي، كانت ميزانية الأمن الداخلي في البلد لا تقل عن 196 مليار دولار، في زيادة قدرها 12 في المائة عن العام 2016. وربما كان معظم هذه القفزة مدفوعاً بالحاجة إلى بناء منصات جديدة للمعلومات الكبيرة. كما تمتلك الصين الخبرة أيضاً في مجال الذكاء الاصطناعي. وتعتبر الشركات الصينية قادة عالميين في أبحاث الذكاء الاصطناعي، وفي كثير من الأحيان يتغلب مهندسو البرمجيات الصينيون على نظرائهم الأميركيين في المنافسات الدولية. وأخيراً، يمكن أن تشكل التقنيات، مثل الهواتف الذكية المنتشرة على نطاق واسع مسبقاً، العمود الفقري لنظام مراقبة شخصي. وتقترب معدلات امتلاك الهواتف الذكية في الصين من تلك التي في الغرب، وفي بعض المناطق، مثل الدفع بواسطة الهاتف الخلوي، فإن الصين هي الرائدة عالمياً.
تقوم الصين مُسبقاً ببناء المكونات الأساسية لنظام رقمي استبدادي. و"الجدار الناري العظيم" متطور وراسخ جيداً، وقد ازداد تشديداً خلال العام الماضي. وتصنف المؤسسة الفكرية "فريدوم هاوس" الصين بأنها أسوأ منتهكي حرية الإنترنت. وتقوم الصين بتطبيق رقابة كثيفة في العالم المادي أيضاً. وفي العام 2014، أعلنت عن غطة للائتمان الاجتماعي، والتي تقوم بحوسبة شبكة متكاملة تعكس نوعية وجودة سلوك كل مواطن، كما تفهمه الحكومة. وقد ذهب تطوير دولة الرقابة في الصين أبعد الأشواط في محافظة شينغيانغ، حيث يتم استخدامها لمراقبة السكان الإيغور المسلمين والسيطرة عليهم. وأولئك الذين يعتبرهم النظام غير آمنين يتم إقصاؤهم من الحياة اليومية؛ بل إن الكثيرين منهم يتم إرسالهم إلى مراكز لإعادة التعليم. وإذا أرادت بكين، فإنها تستطيع تعميم النظام على مستوى الأمة.
من المؤكد أن القدرة ليست نفس النية. ولكن يبدو أن الصين تتجه نحو الاستبدادية وبعيداً عن أي اقتراح لليبرالية. وتعتقد الحكومة بوضوح بأن الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة سوف تفعل الكثير لتمكين هذا الاتجاه الجديد. وتصف "خطة تطوير الذكاء الاصطناعي" الصينية للعام 2017 كيف أن القدرة على التنبؤ و"فهم إدراك المجموعة" يعني أن "الذكاء الاصطناعي يجلب فرصاً جديدة للبناء الاجتماعي".
ليست الاستبدادية الرقمية مقصورة على الصين. وتقوم بكين بتصدير نموذجها. وقد انتشر نهج "الجدار الناري العظيم" للإنترنت إلى تايلند وفيتنام. ووفقاً لتقارير جديدة، فإن الخبراء الصينيين قدموا الدعم للرقابة الحكومية في سيريلانكا ووفروا معدات الرصد والرقابة لأثيوبيا وإيران وروسيا وزامبيا وزيمبابوي. وفي وقت سابق من هذا العام، باعت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية "ييتو" لمؤسسات إنفاذ القانون الماليزية "كاميرات يمكن ارتداؤها مزودة بقدرة التعرف على الوجوه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي".
على نطاق أوسع، دفعت الصين وروسيا ضد المفهوم الأميركي لشبكة إنترنت عالمية حرة وبلا حدود. وتستخدم الصين قوتها الدبلوماسية والسوقية للتأثير على المعايير التقنية العالمية ولتطبيع فكرة أن الحكومات المحلية يجب أن تسيطر على الإنترنت وتراقبه بطرق تحد بحدة من حريات الفرد. وبعد ما قيل إنها منافسة ساخنة على النفوذ على منتدى جديد سوف يضع المعايير الدولية للذكاء الاصطناعي، قامت الولايات المتحدة بتأمين الأمانة العامة، والتي تساعد في توجيه قرارات المجموعة، بينما استضافت الصين الاجتماع الأول لها في نيسان (أبريل) الماضي، وحصل وائل دياب، المدير الكبير في "هاواوي" رئاسة اللجنة. وبالنسبة للحكومات التي تستخدمها، قد تبدو هذه التدابير دفاعية –وضروية لتأمين السيطرة المحلية- لكن الحكومات الأخرى ربما تفهمها على أنها ترى إلى مستوى الهجمات على طريقتها في الحياة.
ردة الفعل الديمقراطية
يستطيع صعود نموذج حكم استبدادي تكنولوجي، ربما بما ينقاقض الحدس، أن يعيد تجديد طاقة الديمقراطيات الليبرالية. أكام كيف ترد الديمقراطيات الليبرالية على تحديات الذكاء الاصطناعي وفرصه، فيعتمد في جزء منه على كيفية تعاملها معها داخلياً، وفي جزء آخر على كيفية تعامله مع البديل الاستبدادي خارجياً. وفي كلا الحالتين، ثمة أسباب للتفاؤل الحذر.
على المستوى الداخلي، على الرغم من أن الديمقراطيات الراسخة ستحتاج إلى بذل جهود متضافرة ومنسقة لإدارة صعود التقنيات الجديدة، فإن التحديات بوضوح ليست أكبر من تلك التي تغلبت عليها الديمقراطيات من قبل. وأحد الأسباب الكبيرة للتفاؤل هو اعتمادية المسار. ويرجح أن تذهب الدول التي لها تقاليد قوية في الحرية الفردية في اتجاه واحد مع التكنولوجيا الجديدة؛ وتلك التي ليس لها مثل هذه التقاليد ستسلك على الأرجح طريقاً آخر. وقد دفعت قوى قوية في داخل المجتع الأميركي منذ وقت طويل ضد برامج المراقبة الجماعية للحكومات المحلية، ولو بنجاح متفاوت. وفي السنوات الأولى من هذا القرن، على سبيل المثال، شرعت "وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة" في بناء أنظمة "المعرفة المعلوماتية الشاملة" للرقابة المحلية من أجل تجميع البيانات الطبية والمالية والجسدية والبيانات الأخرى معاً. لكن المعارضة من الإعلام ومجموعات الحريات المدنية دفعت الكونغرس إلى حجب تمويل البرنامج، ولو أنه ترك بعض طرق الحلول مخفية عن الجمهور في ذلك الوقت. ويعترف معظم المواطنين في الديمقراطيات الليبرالية بالحاجة إلى التجسس في الخارج وإلى الرقابة الداخلية لمكافحة الإرهاب، لكن الضوابط والتوازنات القوية تقيد المؤسسة الأمنية للدولة. وقد أصبحت هذه الضوابط والتوازنات تحت الهجوم اليوم وهي تحتاج إلى تحصين، لكن هذا سيكون أقرب إلى تكرار للجهود السابقة منه إلى تحدٍ جديد بشكل اساسي.
في الغرب، ليست الحكومات هي الجهة الوحيدة التي تشكل خطراً على الحريات الفردية. وتقوم شركات التكنولوجيا الاحتكارية بتركيز القوة عن طريق التخريب على المنافسين والضغط على الحكومات لتفعيل قوانين ولوائح مواتية لها. ومع ذلك، استطاعت المجتمعات التغلب على هذا التحدي من قبل، بعد الثورات التكنولوجية السابقة. ولنفكر في نهج الرئيس الأميركي ثيودور روزفيلت حول تفكيك الاحتكارات، ومرسوم تفكيك شركة "إيه. تي. أند تي" في الثمانينيات، (3) (4) والقيود التي وضعها المشرعون على "ميكروسوفت" خلال صعود الإنترنت في التسعينيات.
كما تضر الشركات الرقمية العملاقة بتنوع الإعلام وبالدعم لمحتوى المصلحة العامة، بالإضافة إلى صناعة "غرب متوحش" في الإعلانات السياسية. لكن التقنيات الجديدة التي كانت تعتبر متطرفة سابقاً، مثل الإذاعة والتلفزيون، طرحت مشكلات مماثلة، واستطاعت المجتمعات الارتقاء إلى مستوى التحدي. وفي نهاية المطاف، من المرجح أن تتمكن التشريعات والقوانين من الالتحاق بركب التعريفات الجديدة لكل من "الإعلام"، و"الناشر" التي صنعها الإنترنت. وقد عارض مارك زوكربيرغ، المدير التنفيذي لشركة "فيسبوك" وصف الإعلان السياسي بنفس الطريقة التي يتطلبها التلفاز، حتى تمكن الضغط السياسي من الضرب على يده في العام الماضي.
من غير المرجح أن تنتصر الاستبدادية الرقمية على الديمقراطيات الليبرالية. وتشير الاستطلاعات الحديثة إلى أن قسماً متناقصاً في المجتمعات الغربية ينظر إلى الديمقراطية باعتبارها "أساسية"، لكن طريقاً طويلاً ما يزال أمام حلول ضعف أصيل بالديمقراطية الغربية.
ربما يؤدي التحدي الخارجي من منافس استبدادي جديد إلى تقوية الديمقراطيات الليبرالية. وربما يدفع النزوع البشري إلى تأطير المنافسة ضمن شرط "نحن في مقابل هم" الدول الغربية إلى تحديد مواقفها من الرقابة والرصد في جزء منها على الأقل، في سياق المعارضة للمنافسة الجديدة. ويجد معظم الناس التفاصيل الدقيقة لسياسة البيانات مملة، ويولون قليل اهتمام لمخاطر الرقابة. ولكن هذه القضايا عندما تتجلى في أساس نظام ديستوبي في العالم الحقيقي، فسوف يتبين أنها ليست مملة ولا مجردة. وسوف يترتب على الحكومات ومؤسسات التكنولوجيا في الديمقراطيات الليبرالية أن تفسر كيف أنها تختلف.
دروس للغرب
يستطيع الغرب أن يفعل القليل جداً لتغيير مسار بلد يمتلك القدرة والثقة مثل الصين. ومن المرجح أن تظل دول الاستبداد الرقمي موجودة لبعض الوقت. وللتنافس معها، سوف تحتاج الديمقراطيات الليبرالية إلى تبني استراتيجيات واضحة. أولاً، يجب أن تعمد الحكومات والمجتمعات إلى الحد بقوة من الرقابة والاستغلال المحليين. ويجب تفكيك عمالقة التكنولوجيا وتقنينهم. ويجب على الحكومات ضمان وجود بيئة إعلامية متنوعة وصحية، على سبيل المثال عن طريق ضمان أن لا يقوم حراس البوابات الجبابرة، مثل "فيسبوك" بخفض شعبية الإعلام؛ وتمويل خدمة البث العام؛ وتحديث الأنظمة التي تغطي الإعلان السياسي ليتناسب مع عالم الإنترنت. ويجب عليها أن تقوم بسن وتفعيل القوانين التي تمنع مؤسسات التكنولوجيا من استغلال المصادر الأخرى للبيانات الشخصية، مثل السجلات الطبية لعملائها، ويجب أن تحد بشكل جذري من جمع البيانات من خلال المنصات المتعددة التي يتصل بها الناس. ويجب منع حتى الحكومات من استخدام مثل هذه البيانات سوى في حالات قليلة ومحدودة، مثل عمليات مكافحة الإرهاب.
ثانياً، على الدول الغربية أن تعمل من أجل التأثير على الكيفية التي تطبق بها الدول التي لا هي ديمقراطية بقوة ولا استبدادية بقوة أنظمة الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة. ويجب أن تقدم العون لتطوير البنية التحتية المادية والتنظيمية للدول، وأن تستخدم المدخل الذي يوفره ذلك العون لمنع الحكومات من استخدام المعلومات المجمَّعة. ويجب أن تقوم بتعزيز المعايير والأعراف الدولية التي تحترم الخصوصية الفردية كما تحترم سيادة الدولة. ويجب أن تعمل على ترسيم حدود استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الوصفية لغايات الأمن القومي المشروعة وتميز ذلك عن استخدامه في قمع حقوق الإنسان.
وأخيراً، يجب على الدول الغربية أن تستعد للدفع ضد ما يشكل الجوهر والقلب في النظام الاستبدادي الرقمي. وسوف يتضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الواسعة هشة وعرضة للخلل. وحتى على الرغم من أن الأنظمة السياسية تتجه إلى الاعتماد عليها باطراد من أجل الأمن، فسيكون على الحكومات أن تحرص على أن لا تخرج دورات الردود الانتقامية، على طريقة العين بالعين، عن السيطرة. وسوف تساعد الأنظمة التي تفرض رقابة انتقائية على الاتصالات في تمكين الإبداع الاقتصادي، لكنها ستكشف أيضاً عن العالم الخارجي بشكل حتمي. ولن يكون كسب المنافسة ضد الحكومات الاستبدادية الرقمية مستحيلاً -طالما كان بوسع الديمقراطيات الليبرالية أن تحشد الإرادة السياسية اللازمة للانضمام إلى النضال.

*هو استشاري في "الأحياء الذكية" وباحث يعمل مع مركز بيليغرينو للأخلاقيات الحيوية السريرية في المركز الطبي لجامعة جورجتاون.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: How Artificial Intelligence Will Reshape the Global Order
هوامش المترجم:
(1) الجدار الناري العظيم للصين Great Firewall هو مزيج من الإجراءات والتقنيات التشريعية التي تطبقها جمهورية الصين الشعبية لتقنين الإنترنت والسيطرة عليه محلياً.
(2) البيانات الكبيرة Big data هي مجموعات بيانات كبيرة ومعقدة لدرجة أن برامج تطبيقات معالجة البيانات التقليدية غير كافية للتعامل معها.
(3) كان روزفلت نائب رئيس الولايات المتحدة لمدة 194 يوما فقط عندما تولى الرئاسة. حصل روزفلت، وهو إصلاحي تقدمي، على سمعة بأنه "محطم التروستات" الذي قام بتفكيك الشركات الاحتكارية من خلال إصلاحاته التنظيمية ومناهضة الاحتكار.
(4) مرسوم تم بموجبه تفكيك شركة "إيه. تي. أند تي." التي كانت تسيطر على خدمة الهاتف المحلية في الولايات المتحدة وكندا حتى تلك النقطة. وتقسيم احتكارها على شركات منفصلة تماما ستستمر في توفير الخدمة الهاتفية.

التعليق