إبراهيم غرايبة

كيف يتشكل العقد الاجتماعي الجديد؟

تم نشره في الخميس 26 تموز / يوليو 2018. 12:08 صباحاً

يكمل هذا المقال مقال الأمس بعنوان إعادة بناء المجال العام، إذ المسألة ببساطة أن العقد الاجتماعي الجديد بما هو تسوية وتنظيم العلاقات بين الفاعلين في المجال العام (الحكومات والجماعات والمجتمعات والنقابات والشركات والأفراد، والاتجاهات والطبقات والمصالح، والقيم والأفكار..) على نحو يتحدد بالقوة والفرص والتأثير لذي يمتلكه كل فاعل في هذا المجال، وبما أن أحدا لا يريد ولا يستطيع ابتداء ان يهيمن على المجال العام؛ فإن العقد الاجتماعي هو قواعد تنظيم التأثير والعلاقات والمصالح بين هؤلاء الفاعلين، ثم القيم والمبادئ التي تجعل العقد الاجتماعي يعمل على نحو تلقائي دون حاجة للقهر أو العنف إلا في حالة الخروج على العقد المعبر عنه عمليا وعلى نحو محدد بالتشريعات الناظمة للحياة والحقوق والواجبات والمصالح والقيم،...
ما الجديد الذي يدعو إلى إعادة التفكير في العقد الاجتماعي؟ ما الذي حدث وجعل العقد الاجتماعي قضية تصعد وتلح على العقل السياسي والعام للدولة والمجتمعات؟ ما يدعو إلى ذلك ليس بالطبع حدثا واحدا كبيرا ومفاجئا مثل زلزال أو عاصفة جوية، لكنها سلسلة من التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والعالمية جعلت الحياة العامة والسياسية والمصالح والعلاقات والقيم أيضا في حاجة إلى إعادة تنظيم وتقييم، وهذا ليس أمرا جديدا بمعنى الزمن الذي نعيشه كأفراد وجماعات لكنه جديد في مسار الأمم والدول، فالعقد الاجتماعي السائد أنشأته مركزية الدولة التي لم تعد مركزية، والحال أن كل ما يحدث حولنا وبيننا من صراعات وأزمات وتطرف واتجاهات وأعمال جديدة وأخرى راحلة إنما يعكس أزمة الدولة والعقد الاجتماعي، وما نتجادل ونتحاور ونتناظر (ما الفرق بين الجدل والحوار والمناظرة؟) اليوم إنما يتجادل الغرب حوله منذ أواخر الستينيات، ثم بلغ ذروته في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، كتاب صدمة المستقبل من تأليف ألفن توفلر ظهر في العام 1974، وقد ترجم إلى العربية بعد صدوره بفترة وجيزة ولقي في حينه اهتماما عالميا وعربيا كبيرا ومؤثرا، وكتاب أولريخ بك في الثمانينيات "المجتمع العالمي والأمان المفقود" ثم أصدر فرانسيس فوكوياما مجموعة من الكتب والدراسات، مثل نهاية التاريخ، والثقة (الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار) ومستقبلنا بعد البشري: عواقب الثورة التقنية الحيوية، والطبيعة البشرية وإعادة بناء النظام الاجتماعي، والنظام السياسي والانحطاط السياسي، وأصدر صمويل هتنغتون مجموعة مهمة من الكتب والدراسات مثل صراع الحضارات، والنظام السياسي في مجتمعات متغيرة، والثقافات وقيم التقدم، والموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ومانويل كاستلز: مجتمع الشبكات.. وتؤشر تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي بكثافة وإلحاج على هذه التحولات الاقتصادية والتقنية. وبالطبع فقد جرت سلسلة من الأحداث الكبرى، مثل انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار الشيوعية، وتفكك كثير من الدول والأمم كما يجري في عالمنا العربي اليوم، وكذلك الحروب الأهلية المدمرة، وانتهاء الحروب بين الدول يقول مانويل كاستلز: تمارس السلطة من خلال وسائل القهر (أو إمكانية ممارسته) أو ببناء معنى أو من خلال بنائه، أو هما معا، على أساس خطاب تهتدي به الأطراف في عملها، وتتشكل علاقات السلطة من خلال الهيمنة، وهي سلطة متضمنة في مؤسسات المجتمع، وهذه القدرة ذات الصلة تحكمها، وإن كانت لا تقررها القدرة الهيكلية للهيمنة، وقد تشترك المؤسسات في علاقات السلطة القائمة على الهيمنة التي تمارسها على رعاياها. ولا يوجد أبدا سلطة مطلقة، أي صفر تأثير من الخاضعين،.. هناك دائما إمكانية للمقاومة. وعندما تصبح المقاومة أقوى من الإذعان تتحول علاقات السلطة وشروطها، وتكون عملية تغيير مؤسسي أو هيكلي. وعندما تتدخل السلطة في المجال العام محابية مصالح معينة غالبة في الدولة، فإنها تغري بأزمة مشروعية، لأنها تظهر نفسها باعتبارها أداة للهيمنة وليست مؤسسة للتمثيل.
ولاحظ أولريك بيك أن الوطنية المنهجية تتعرض للنقض والتفكك، لأن العولمة أعادت تعريف حدود الأرض لممارسة السلطة. وإذا كانت السلطة موجودة في هياكل اجتماعية معينة قائمة على قاعدة الصيغ المكانية الزمانية، فهذه الصيغ المكانية الزمانية لم تعد قائمة على المستوى الوطني، لكنها عولمية ومحلية في الوقت نفسه، كذلك فإن حدود المجتمع تتغير، ويتغير أيضا الإطار المرجعي لعلاقات السلطة.
ما التحولات القائمة التي تفكك العقد الاجتماعي السائد وتهيئ لعقد جديد؟

التعليق