علاء الدين أبو زينة

عن الفساد.. (2) القطاعات التي يطالها..!

تم نشره في الخميس 26 تموز / يوليو 2018. 12:07 صباحاً

وفق ما تفيد به المادة المكثفة نسبياً عن الفساد في نسخة "ويكيبيديا" الإنجليزية، فإن الفساد يمكن أن يحدث في أي قطاع، سواء كان مصلحة عامة أو خاصة، أو حتى في المنظمات غير حكومية. ومع ذلك، توجد في المؤسسات المدارة ديمقراطيا فقط عناية من (المالك) العام بتطوير آليات داخلية لمحاربة الفساد النشط أو السلبي، في حين أنها لا توجد سيطرة عامة عليه في القطاع الخاص أو في المنظمات غير الحكومية.
يشمل الفساد العام الفساد في العملية السياسية وفي الأجهزة الحكومية، والفساد في عمليات تخصيص الأموال العامة للعقود والمنح والتوظيف. ويُعرف الفساد السياسي بأنه "إساءة استخدام السلطة العامة أو المنصب أو الموارد من قبل المسؤولين الحكوميين أو المنتخبين لتحقيق مكاسب شخصية، عن طريق الابتزاز أو طلب الرشاوى أو تقديمها. ويمكن أن تكون للفساد عواقب سياسية -حيث يصبح المواطنون الذين تُطلب منهم الرشاوى أقل احتمالاً للانتماء والتماهي مع بلدهم أو منطقتهم.
ويشكل فعل الكسب غير المشروع عند الساسة، Graft شكلاً معروفاً من الفساد السياسي المعروف الآن عالمياً، وهو استخدام السياسي لسلطته بشكل غير قانوني لتحقيق مكاسب شخصية، عندما يتم التلاعب –قصداً- لتوجيه الأموال المخصصة للمشاريع العامة لتعظيم فوائد مصالح خاصة غير قانونية للفرد (الأفراد) الفاسدين وحاشيتهم.
من القطاعات التي يطالها الفساد نظام التعليم. و"يعتبر الفساد في أنظمة القبول في الجامعات تقليدياً واحداً من أكثر المناطق فساداً في قطاع التعليم. وتكلفة الفساد في النظام التعليمي هي أنه يعوق النمو الاقتصادي المستدام. ويشمل الفساد في التعليم دفع الرشاوى لتجاوز الإجراءات البيروقراطية، أو رشوة أعضاء هيئة التدريس من أجل العلامات أو الشهادات.
بالإضافة إلى ما تركز عليه تعريفات "ويكيبيديا"، يمكن أن يُفكر المرء في مناطق أخرى من فساد التعليم، مثل توجيه المناهج بطريقة تتلاعب بالحقائق الموضوعية وتعرض جانباً انتقائياً من الحقيقة. ويمكن أن تُدار العملية التعليمية بطريقة تخدم تكريس أيديولوجيات أو اتجاهات محسوبة، وتكوين منظومة عقلية سكونية لا تعرف التساؤل والمساءلة، بهدف تأبيد "حقائق" و"ثوابت" وتكوينات سياسية أو اجتماعية بعينها.
تتحدث مصادر "ويكيبيديا" عن فساد يطال المجال الديني أيضاً. وعلى سبيل المثال، قدم الأستاذ كيفين كريوس من جامعة برينستون في العام 2015 أطروحة قال فيها أن "قادة الأعمال تعاونوا، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، مع رجال الدين... لتطوير وترويج منهج تأويلي جديد للكتاب المقدس، والذي يهدف إلى صرف التركيز عن الجانب الاجتماعي فيه لصالح التركيز على ثيمات مثل الخلاص الفردي، والتي هي أكثر ملاءمة للمؤسسة الحرة".
لكن بالوسع الاستشهاد بأمثلة أقرب عن الفساد الذي قد يطال المجال الديني، مثل تحالف مراكز القوى، في السياسة أو الأعمال وغيرهما، مع بعض رجال الدين لإضفاء الشرعية/ أو نزعها عن منظومات وأفكار واتجاهات بعينها وتبرير غايات دنيوية باستعمال سلطة رجل الدين. وقد تركز الانتباه في العقود الأخيرة على أدوار عناصر من المؤسسة الدينية في ترويج اتجاهات التطرف والعنف والانفصال، وتصنيع شخصية اجتماعية عاجزة عن قبول الجِدّة والتغيير، كل ذلك لخدمة كيانات صاحبة مصلحة. والأدبيات مليئة بالأمثلة عن الاستخدام الكثيف والظاهر للفساد في المجال الديني في صراع القوى العالمية، والذي تعاني منطقتنا بالتحديد من تداعياته.
وتشير "ويكيبيديا" أيضا إلى "الفساد في الفلسفة". وتذكر اعتراف الفيلسوف الألماني من القرن التاسع عشر، آرثر شوبنهاور، بأن "الأكاديميين، بمن فيهم الفلاسفة، يخضعون لنفس مصادر الفساد التي تخضع لها المجتمعات التي يعيشون فيها". ويميز شوبنهاور بين فلاسفة "الجامعات"، الذين "همهم الأساسي هو تحسين سبل عيشهم... والتمتع بمكانة معينة في عين الجمهور" وبين الفلاسفة الأصلاء الذين يكون دافعهم الوحيد هو اكتشاف الحقيقة والشهادة عليها.
ويقول شوبنهاور: "أن تكون فيلسوفاً، أي "محباً للحكمة" (لأن الحكمة ليست سوى الحقيقة)، لا يكفي أن يحب المرء الحقيقة بالقدر الذي تتوافق فيه مع مصلحته الخاصة، أو إرادة رؤسائه، أو عقائد الكنيسة، أو تحيزات وأذواق معاصريه؛ وطالما ظل قانعاً بهذا الوضع، فإنه مجرد "محب للذات" وليس محباً للحكمة".
تُظهر تعريفات الفساد في الفلسفة مدى خطورته الهائلة، بما أن فلاسفة العلوم (الأكاديميين) هم "السلطة" التي يُفترض أن تثق بهم الأجيال لتزويدها بتعريف وماهيات "الحقيقة". وبذلك يكون دورهم حاسماً في شيوع أو ندرة كل مواطن الفساد الأخرى.

التعليق