إبراهيم غرايبة

خبز "شبيكة" ومبتدأ الحضارة

تم نشره في السبت 28 تموز / يوليو 2018. 12:09 صباحاً

شغل العالم (إلا الأردن والأردنيون) باكتشاف أول تنور للخبز في شمال شرق الأردن (قاع شبيكة) في العالم يعود إلى حوالي 14400 سنة، ويسبق ما كان معروفا من قبل عن الزراعة والخبز بأربعة آلاف سنة. وهو اكتشاف يغير معرفتنا وتقديرنا للتشكل الحضاري وتاريخ الأشياء. ومن المعلوم أن الفعل الحضاري بما هو تحسين الحياة والاستقرار بدأ بصناعة الخبز؛ إذ مكن ذلك الإنسان من الاستقرار في مكان واحد، ثم تبع ذلك بطبيعة الحال بناء البيوت والأواني والأثاث والعلاقات الاجتماعية،... لكن الاكتشاف يعيد الأسئلة والإجابات التقليدية عن التشكل الحضاري والاجتماعي للإنسان، فأول دليل على الزراعة يعود إلى ما بعد "خبز شبيكة" بأربعة آلاف سنة، والافتراض المبدئي لتفسير ذلك أن القمح والشعير والذرة كانت تنبت وحدها برية في الحقول، وكان الإنسان يجمع ثمارها من البرية، ويطحنها ويعجنها ويخبزها، لكن وجود بناء حجري وأدوات ومهارات معقدة (نسبيا) يؤشر على تشكل حضاري شبيه بذلك المصاحب للزراعة!
يشير كتاب الفلاحة النبطية (ترجم من السريانية إلى العربية في العام 904م) الذي وضعه قثامى (أكثم أو قثم) الكسداني في القرن الثاني الميلادي إلى أنه يكمل عمل حكيمين كنعانيين من قبل، وهما صغريث الذي عاش حسب ما يمكن فهمه من الكتاب قبل ميلاد المسيح بواحد وعشرين ألف سنة، وينتوشار الذي جاء بعده بألف سنة. ويؤكد المؤرخ D.Chowlson في دراسة نشرت العام 1859 أن الكتاب حرر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
ومن طرائف ما جاء في الكتاب، وهو مليء بالعلوم والطرائف، أن أدمى عليه السلام (هكذا جاءت في الكتاب) سافر إلى الهند، ولعله أدومى الذي ينتسب إليه الأدوميون، وهو عيسو أخو يعقوب، وربما كان أدومى قبله وسمي عيسو باسمه، فوجد الحنطة والشعير ينبتان في تلك البلاد حتى يصيرا شجرا طولها قامتان وثلاث قامات، لكنهم كانوا عاجزين عن حصادها لأنها تسيطر عليها حيات ضخمة ومفترسة وسامة، لكنه تحايل على الحيات فطردها من الحقول، وجمع الحب وطحنه، وصنع تنورا كبيرا وعجن الطحين وخمّره، وصنع خبزا، فأكلوا منه واستبشروا كثيرا، وجعلوا ذلك اليوم عيدا لهم، وصار غذاؤهم الحنطة، واستطابوها، ورجعت إليهم عقولهم، ذلك أنهم كانوا من قبل مغفلين كالبهائم، فلما اغتذوا بالخبز عقلوا وصارت لهم أفكار جيدة، وكانوا يمشون عراة، فحدث لهم حياء من بعضهم بعضا، وصار لهم عقول خلاف عقولهم التي كانت لهم، وعلمهم أدومى أيضا غزل القطن ونسجه، فلما غزلوا ونسجوا ولبسوا الثياب فرحوا وعقلوا وفهموا.
قال فجميع الأغذية وإن كانت تقيم الأبدان إلا أن من لا يتغذى بالحنطة يكون عقله أقل وفهمه وتمييزه مختلطين. وإنما من اغتذى بخبز الحنطة فهو الغذاء الفاضل، وكذلك المغتذي به فاضل لجميع من يغتذي بغيره.
وفي التوراة أن إبراهيم جد عيسو أو أدمى عندما وفد من أورفا إلى أورسالم (القدس) استضافه ملك الكنعانيين صدوقا، وقدم له الخبز والنبيذ رمزا للسلام والضيافة، لكن المرجح أن أدمى المذكور في كتاب الفلاحة النبطية يسبق أدمى حفيد إبراهيم بآلاف السنين، ففي مواضع أخرى من الكتاب يروي صغريث عن أدمى بمعنى أنه سابق له، وأنه أمر بفرك الحب بالزيت ثم نقعه بالماء، فيكون منقوع الشعير مغذيا نافعا، ومسكنا للعطش، ومطلقا للطبع، ولو أن الناس اكتفوا بماء الشعير، ثم أكلوا الشعير وشربوا الماء بعده، لكان لهم في هذا كفاية عن كل غذاء لأنه غذاء محمود صالح ينوب عن جميع الأغذية.

التعليق