الترامبية وفلسفة النظام العالمي

تم نشره في الاثنين 30 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • الفيلسوف القانوني الألماني كارل شميت، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تشابه في المفاهيم - (أرشيفية)

مارك إس. وينر*

هامدين، كونيتيكيت- بعد قمتي الناتو وهلسنكي، كان العديد من الليبراليين يميلون إلى إدانة سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الناحية الشخصية. وقد أظهر دعمه لفلاديمير بوتين، وتجاهله لخدمات أجهزته الاستخباراتية الخاصة وحلفاء أميركا التقليديين، عدم أهليته أو تلاعبه أو أنه غير مستقر عقلياً. وقد يكون أيضاً تابعاً لروسيا -"أي خائناً".

قد تكون بعض أو كل هذه الأحكام صحيحة. لكن هناك تفسير أكثر عمقاً -وأكثر إثارة للقلق- لسلوك ترامب، والذي يتمثل في أفكاره، وخاصة التزاماته الفلسفية الضمنية فيما يتعلق بالنظام العالمي. وسيكون من الصعب مواجهة هذه الالتزامات.

من المؤكد أن ترامب ليس فيلسوفاً. لكنه يعبر بشكل غريزي عن مفاهيم معينة، وذلك بفضل مهارته في التحدث علناً وإحساسه العميق بردود أفعال المؤيدين العاطفية. وفي كل تجمع، يشجعه الجمهور على تحسين أفكاره من أجل تلبية احتياجاتهم العاطفية، والتي يقوم بتسييسها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.

يعد الفيلسوف القانوني الألماني كارل شميت المفكر الوحيد الذي يعرب عن أفكار ترامب -والذي يمكن أن يساعد في فهم سلوكه، وخاصة في ما يتعلق بتقربه المثير للجدل من روسيا والذي أدانه الكثيرون.

اشتهر شميت بانضمامه إلى الحزب النازي في العام 1933، لكن سيكون من الخطأ رفضه لهذا السبب وحده. فمن بين العلماء المعاصرين، من اليسار واليمين، يشتهر شميت بنقده الشديد لليبرالية الحديثة.

يتمثل نقد شميت في ازدرائه للتطلعات العالمية الليبرالية. يضع الليبراليون بالفعل الحقوق الفردية في قلب مجتمعاتهم السياسية، ويعتقدون أن هذه الحقوق، من حيث المبدأ، يجب أن تمتد إلى الجميع. إن أميركا، كما يقولون، هي فكرة.

بالنسبة لشميت، هذه الأفكار ستؤدي إلى كارثة، سواء داخل البلاد أو خارجها. على الجبهة الداخلية، لأن المفهوم الليبرالي "للشعب" غير حصري وغامض للغاية. من نحن حقاً، إذا كانت كلمة "نحن" يمكن أن تشمل أي شخص؟ ويعتقد شميت أن طريقة التفكير هذه تجعل الدول الليبرالية عرضة للاستيلاء عليها من قبل جماعات المصالح الخاصة من الداخل ومن قبل الأجانب من الخارج -وكان هذا الادعاء محور قيام ترامب بحملته الانتخابية.

يعتمد نقد شميت للسياسة الخارجية الليبرالية على تحليل مماثل. فكمدافعين عن عقيدة غير حصرية قائمة على الحقوق، يجبَر الليبراليون على التدخل في شؤون الدول الأخرى التي لا تتفق سياساتها مع القيم الليبرالية. وعندما يتورط الليبراليون في نزاع عسكري دولي، تصبح نظرتهم إلى العالم وصفة لحرب شاملة ودائمة، لأن التزامهم بالمعايير المجردة يجعلهم ينظرون إلى المعارضين -ليس فقط كمنافسين، بل باعتبارهم "أعداء مطلقين". وعلى عكس "العدو الحقيقي" الذي يمكن أن يتفق معه المنافس على التعايش السلمي، يجب أن يتم تدمير أو تحويل العدو المطلق في النهاية -على سبيل المثال، من خلال أفكار "بناء الأمة" التي يرفضها ترامب بشدة.

بدلاً من المعيارية والشمولية، يقدم شميت نظرية الهوية السياسية القائمة على مبدأ يدعمه ترامب بشدة في مسيرته قبل السياسة: الأرض.

بالنسبة لشميت، يتم تشكيل مجتمع سياسي عندما يدرك مجموعة من الناس أنهم يشتركون في بعض السمات الثقافية المميزة التي يعتقدون أنها تستحق الدفاع عنها والتضحية من أجلها. وهذا الأساس الثقافي للسيادة راسخ في السمات الجغرافية المميزة للمكان الذي يعيش فيها الناس -على سبيل المثال، الأماكن غير الساحلية والموجهة نحو الداخل، أو الساحلية الموجهة نحو الخارج.

يتعلق الأمر بمعارضة وجهات النظر حول العلاقة بين الهوية الوطنية والقانون. ومن وجهة نظر شميت، فإن "دعاة" المجتمع، أو وعيهم الذاتي، الذي تحدده السمات الجغرافية، هو مطلب فلسفي لقوانينه. وبالنسبة لليبراليين، يتم تشكيل الدولة القومية، أولاً وقبل كل شيء، من خلال التزاماتها القانونية.

تقوم رئاسة ترامب في الواقع بتطبيق الآثار السياسية لآراء شميت على السياسة الداخلية والخارجية.

وعلاوة على ذلك، يَظهر نقد شميت لليبرالية في شغف ترامب ومؤيديه ببناء جدار على حدود أميركا الجنوبية. ويصف مستشارو ترامب، مثل ستيفن ميلر، بناء الجدار بأنه سياسة يقودها "الحب" -أي حب المجتمع السياسي الأميركي، المحدد بوضوح في الجغرافية.

والأهم من ذلك، تجلت في قمتي بروكسل وهلسنكي سياسة شميت التي وضعها ترامب في سلوكه تجاه حلفاء وأعداء أميركا التقليديين. وبالإضافة إلى ذلك، يدعو شميت إلى نظام عالمي ينشر عقيدة مونرو: تتفق الدول العظمى على المناطق التي لا يمكن تدميرها من حيث تأثيرها الجغرافي (في جروسراوم الألمانية)، مما يظهر الاحترام المتبادل لبعضها البعض. ويرمز ترامب إلى النظام الدولي بالتعددية المعيارية وعدم التدخل والرغبة في إبرام الصفقات.

وفقاً لهذه الآراء المناهضة لليبرالية، ليس هناك من سبب للنظر إلى روسيا على أنها عدو مطلق. وهناك كل ما يبرر تقويض المؤسسات الدولية والتخلي عن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة. وبالنسبة إلى المناهضين الليبراليين، فإن أعداء السلام الحقيقيين اليوم هم تلك الدول القومية والمؤسسات التي تسعى إلى وضع قيود خارجية على السيادة وتصور المجتمع السياسي بالمعايير بدلاً من الحدود الإقليمية والثقافية. وعلى النقيض من ذلك، فإن أصدقاء السلام هم الدول القوية بما يكفي لإثبات التجانس السياسي داخل حدودها ودعم النظام العالمي الذي وضعه الفاعلون السياديون الرئيسيون.

عندما وقف ترامب إلى جانب بوتين وانحاز معه ضد أجهزة الاستخبارات الأميركية، فإنه جسد الذروة  المنطقية لأفكار شميت. وستبقى هذه الأفكار معنا حتى بعد فترة طويلة من رحيل ترامب.

 

*سيكون الرئيس المتميز لجامعة فولبرايت-أوبسالا في الدراسات الأميركية في 2018-19. وهو عضو في المجلس الاستشاري لمركز "نيسكانين".

*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق