جنون العظمة لفتى

تم نشره في الاثنين 30 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

عميرةهاس  29/7/2018

 

الفتى محمد طارق دار يوسف أبو عيوش من قرية كوبر عرف جيدا ماذا ينتظر والديه وعائلته وقريته. عمليات انتقام الجيش والشاباك والمستوطنين على قتل عائلة سلمون على أيدي ابن قريته لم تردعه. بعد سنة من ذلك اختار شخصيا تنفيذ عمل انتقاميا اعمى، دون هدف محدد وبدون سبب محدد واضح للعيان. لم يردعه احتمال أن يقتل مثلما لم يثنه احتمال أن يصاب أو يعتقل ويقضي كل حياته في السجن.

في كل سنة آلاف الشبان الإسرائيليين، أكبر بقليل من محمد طارق، يتسلحون ويذهبون لجرح وقتل مرخص، وسرقة اراضي وتدمير حقول والتنكيل بملايين أبناء شعبه. بترخيص من الحكومة والمجتمع والحاخامات وبرخصة محبة ومداعبة من الوالدين اللذان منذ فترة قصيرة فعلوا نفس الشيء بالضبط. مليئين بالدافعية، الشعور بالقوة والعظمة.

السؤال ليس لماذا أخذ سكينا وذهب لطعن يهود، بل السؤال هو كيف أن القليل من الفلسطينيين اختاروا ويختارون طريقه؟ لا، ليس الشباك هو الذي يحبط وليس الجيش الإسرائيلي هو الذي يردع. إن عقدة التفوق الإسرائيلي تستل دائما هذه التفسيرات المريحة. الاجابة هي أن الاغلبية الساحقة من الفلسطينيين لا تختار الانتقام، ولا تتسلح بالسكاكين لطعن المستوطنين والمدنيين والجنود والانتحار. الاغلبية الساحقة تختار العيش وضبط النفس، لوعيها بأنه لا توجد فائدة من العمل الفردي اليائس. ولكن الاغلبية الساحقة تشخص ما الذي يوجد خلفها وتتماهى معه. صرخة ضد مئة سنة من الظلم والاستغلال وسنوات من الاستغلال والظلم مضمونة في المستقبل.

التفاصيل الشخصية ومشاعره المميزة التي لا نعرفها، ويبدو أننا لن نعرفها، ربما أثرت بشيء ما على الطريق التي اختارها طارق ابن الـ 17 سنة، لكنها فقط اضافة زائدة. في وصية الوداع التي كتبها في الفيس بوك وبدون أن يكتب الكلمتين الصريحتين، أعلن عن غضبه اليائس من السلطة الفلسطينية التي تحاول اسكات روح المقاومة التي توجد في قطاع غزة والقدس. هذا غضب يمكن أن يجد تعبيره في كلمات "جبناء، خونة، باعة اراضي". القاموس الذي يملكه لا يكفي كل التعريفات المناسبة لتحكم اليهود بالفلسطينيين.

ليس هناك معنى لتفكيك هذه السلطة إلى عناصرها، وبالتأكيد ليس على مسامع من يمارسونها. كل عنصر وجزء يبدو صغيرا في نظرنا وعابرا وطارئا ولا يستحق هذا الاندفاع من الكراهية والانتقام ولا يساوي مطلقا ازهاق حياة يهودي: اقتحام ليلي لأحد الجنود الملثمين إلى بيت مليء بالاطفال الخائفين، قرية فنانين في غزة دمرها قصف إسرائيلي، مبنى روضة اطفال صادرها الجنود، قانون آخر يحلل السلب، يوم آخر ضائع في معسكر الحصار في غزة، طفل جرحه الجندي وساقه بترت، طفل قدماه مقيدين وهو ينظر للقاضي العسكري دون فهم ماذا يعني ذلك، جنازة لطفل حمل حجرا، وجندي اطلق النار على بطنه، شجرة اخرى قطعت على ايدي المستوطنين، حي جديد يظهر داخل اراضي القرية التي تزداد عزلة، صرخة متكبرة لموظف الادارة المدنية وصف مهين في وزارة الداخلية، قاض مستوطن في المحكمة العليا يصادق على هدم قرى، منع السفر للعلاج أو حضور جنازة أحد الاقارب، غرامة كبيرة، تصريح آخر للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بأن الجنود عملوا حسب التعليمات وعائلة يطردها اليهود الذين يخافون الله من بيتها في القدس. كل ذلك فقط القليل جدا مما نفعله. نحن أيضا يجب علينا أن نعرف للحظة عما حل محل سعادتنا بنجاحنا في العلوم والموسيقى، وبدلا من تنورنا بين الشعوب.

القاموس الذي لدينا ضعيف وغير قادر على وصف هذا النظام. ولنقل على مسامع من لا يعيشه ومن يمكنه من ذلك، صادم، ظالم، وقح، مدمر، مخادع، محدد الهدف: محو، طرد وسيطرة نهائية على كل قطعة من الحاضر الفلسطيني والمستقبلي. كل ذلك معا، وما زال بالمجمل يسعى خلف تعريف شامل.

كلمات الوصف تقيم جدارا بين الموجود الذي يصعب وصفه وتفصيله وبين من احدثوا هذا الموجود، نحن الإسرائيليون: نغرق بعدالة لا نهاية لها التي تتجاهل افعالنا. من لحظة ولادته وحتى موته محمد طارق مثل كل فلسطيني يختنق تحت التجسد المتملص ولكن المتراكم للموصوف، عانى من معنى كلمات الوصف هذه أيضا دون أن يلفظها.

التعليق