مركزية التشريع

تم نشره في الجمعة 3 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

د. هاشم غرايبة

الشريعة لغة هي سيل الماء الذي يستقى منه، وتطلق أيضا على الطريقة أو النهج، واصطلاحا هي جملة الأحكام والأوامر والنواهي التي شرعها الله عز وجل على عباده المؤمنين، ليقدم لهم في ذلك منهجاً مسعداً لكل مناحي حياتهم.
تندرج هذه الأحكام ضمن خمسة أبواب هي: الواجب، والمستحب، والمباح، والمكروه، والمحرم، وجميعها صادرة عن الله تعالى لأنه الأعلم بطبيعة البشر وما يصلحهم وما يفسدهم، وليست خاضعة لتقدير البشر.
إذا فمن أوليات الإيمان الاعتقاد أن المشرع هو الله وحده، لأن الحكم له وحده، لقوله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ "(يوسف:40).
فكيف نوفق بين هذا المبدأ، وقولنا إن مصادر التشريع الكتاب والسنة؟.
يأتي الخلط من عدم الفهم عند البعض لمبادئ الشريعة أو عدم التمييز بين الأحكام الأساسية وبين التفصيلات، أو بين الأصول والفرعيات.
هذا القصور في الفهم أو الخلط في المفاهيم، أدى بالبعض الى الاعتقاد بأن هنالك مصدرين للتشريع، فذهبوا للقول إن لدينا مشرعين اثنين هما: الله تعالى ورسوله الكريم، وهذا شرك وظلم عظيم، لأن المشرع هو الله وحده: "مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا" (الكهف:26).
إذاً ما الدافع الذي أدى بالبعض الى القول إن هنالك وحيين؛ وحي بالكتاب ووحي مختلف بالسنة، بل ومبالغة البعض في تغليبهم وحي السنة، وتقديمه على القرآن؟.
ليس الدافع محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي رغم أنها متطلب إيماني، إلا أنها بعض من محبة الله وأحد وجوه طاعته، بل هو الهوى والإربة الذي نشأ مع نشوء الفرق والجماعات المتصارعة على تفسير الأحكام وفق مبتغاها وبما يدعم شرعيتها.
فالذين تشيعوا الى علي كرم الله وجهه ونسله، كانت دوافعهم سياسية بهدف الاستحواذ على السلطة، لكنهم لشرعنة الافتراق المذموم شرعا، ادعوا أن خلافهم مع منافسيهم فقهي عقدي، وإنهم إنما يسعون إلى إصلاح الأمة من بعد انحراف، فكان مبدؤهم منصبا على أن السلطة يجب أن تكون حكرا على نسل الحسين الذين سموهم السادة وألبسوهم عمامة سوداء لتمييزهم، وأن الفقه وعلوم الدين مقصورة على الأئمة من نسل الحسن وسموهم الأشراف، ويتميزون بعمامات بيضاء.
بالطبع لا يمكن أن يجدوا سندا واحداً لزعمهم هذا في نصوص التشريع الواردة في القرآن الكريم، فذهبوا الى الأحاديث والروايات والتي يمكن إدخال ما يشاؤون من خلال تلبيس العلاقة الإنسانية الطبيعية بين الجد (صلى الله عليه وسلم) والسبطين الحبيبين الى قلبه (الحسن والحسين)، تلبيسها بالشرعية الدينية.
من ناحية أخرى، كان المتنطعون وهم المتشددون والمغالون والمتعصبون، يحاولون تجيير الأحكام الشرعية وفق أهوائهم، وبما يتواءم مع أمراضهم النفسية، فعندما لا تلبيها بعض الأحكام القرآنية التي يرونها متساهلة، يبحثون بديلا في الأحداث المروية عن تطبيقات تشريعية نسبت الى عصر النبوة، والتي لا تخضع للتحقيق العلمي، بل اعتمادها الأساس على الثقة بصدق الراوي، ويحيلونها تشريعا قاطعا، حتى أنهم يقدمونها على نص التشريع القرآني بادعاء أنها ناسخة له، مع أنه لا يجوز لبشر أن يغير كلام الله.
أوضح مثال على ذلك، قضية حد الزنا، فهي الجلد بنص قاطع في الآية الثانية من سورة النور، لكنهم يعطلونه بحديث نبوي عن الإعدام بالرجم.
هنا ندخل الى فهم مسألة دور السنة في التشريع، فهي ليست مُنشئة للتشريع، بل مفسرة ومفصلة لما ورد في القرآن، لا تزيد عليه ولا تنقص، بمعنى أن الرسول يبلغ الأحكام الواردة في القرآن كما وردت، ولترسيخها في أفهام الناس يطبقها أمامهم كما أفهمه إياها الوحي، والذي لا يأتي بتشريع آخر جديد مختلف، بل فهم للتشريع ذاته الذي جاء به القرآن.
بناء على ذلك لا يمكن أن يكون صحيحا أي حديث ينقض أو يبدل في حكم جاء في القرآن.
أما ذريعة هؤلاء المتنطعين بأن الصلاة لم ترد في القرآن بل جاءت بها السنة فلا تستقيم، فالصلاة ركن أساسي وردت بنصوص قرآنية صريحة، لكن بيان أدائها يجب أن يكون تطبيقا عمليا، لذلك علّمها الله لنبيه، وأوكل إليه تبيانها للناس، وكذلك مع مختلف تفصيلات الأحكام.

التعليق