علاء الدين أبو زينة

استكشفوا المسافة الحاسمة بين المُمكِن والمتحقِّق..!

تم نشره في الأحد 5 آب / أغسطس 2018. 12:07 صباحاً

يحب السياسيون لدينا أن يقولوا في الخطابات أشياء من قبيل: "لدينا مجتمع فتيّ غني بالإمكانيات والطاقات". لكنّ هذه المقولات تبقى خطاباً مُجرداً بلا قيمة عملية، ما دامت المجتمعات صاحبة الإمكانيات والطاقات -نظرياً- تبدو بلا إمكانية ولا طاقة واقعياً.
لعل المسافة بين بقاء هذه الطاقات والإمكانيات في منطقة الإمكان، وبين تحويلها إلى موجودة في الواقع، سبب حاسِم/ أو السبب في تخلُّف مجتمعاتنا. وثمة فشلٌ واضح في عدم الانتباه و/أو عدم الرغبة في ابتكار آليات لاستكشاف إمكانيات الأفراد وحفزها على التحقُّق، وإطلاق الطاقة الكامنة لتصبح حركية. وهو الفارق بيننا وبين العالَم المتقدم، حيث تحقيق أفضل ما ينطوي عليه الأفراد والطبيعة من إمكانيات وطاقات، ممارسة ومُعطى.
مِن حيث المبدأ، ينبغي أن ينطوي كل فرد على موهبة/ إمكانية خاصة في مجال ما، والذي يمكن أن يبرع فيه أكثر من غيره. وطيف هذه الإمكانيات واسع جداً، من الفنون، إلى الآداب والفكر، إلى الرياضة، إلى الرياضيات والفيزياء والعلوم، إلى الحِرف اليدوية والصنعات والصناعات، إلى قدرة التحليل واكتشاف العلاقات... إلخ. والعلاقة طردية بين تحقُّق أكبر عدد من هذه الإمكانيات الفردية وبين سوية المجتمعات والدول.
المحطات التي تمرُّ بها عملية اكتشاف إمكانيات الأفراد، فالمجمتع، وتحقيقها تبدأ بالأسرة، ثم المدرسة فالجامعة، فعقل الدولة ونهجها. ونسمع أن المدارس في الدول الحية تبحث في كل طالب مبكراً عن موهبته وشغفه، وتركّز على تنمية هذا الجانب وتسهيل تحقُّق إمكانياته، بالعمل مع عائلته. وتساعِدُ في ذلك الدولة والقطاع الخاص، بتوفير الأدوات والمختبرات وأيّ شيء يلزم.
في المقابِل، يمرُّ في المجتمعات البليدة عشرات أو مئات أو آلاف الأفراد بكل هذه المراحل، وهم ينطوون على إمكانيات فريدة في مجال ما، لكنها إما تبقى حبيسة رؤوسهم، أو تظهر في إطار ضيق. وقد تتطوّر قليلاً بدفع ذاتي أو تشجيع عاطفي، من دون مساعدة منهجية ولا توجيه ذي غاية. وفي كثير من الأحيان، تتعطل هذه الإمكانيات في منطقة الإمكان، ويتجه الأفراد واقعياً إلى مجالات أخرى بعيدة عما يبرعون فيه.
قصة عالِم الجيولوجيا المصري-العالمي، فاروق الباز، تلخص الفكرة. فقد أراد المصريون أن يجعلوه يدرّس الكيمياء، بعيداً عن مجال إمكانياته، في جامعة هامشية. لكنه خرج من بلده وذهب إلى حيث حقّقوا إمكانياته في "الناسا". ولا بُدّ أن المجتمع الذي حقّق إمكانيات الباز وكل صاحب إمكانية هاجر إليه، مستعد تماماً لتحقيق إمكانيات مواطنيه المحليين. لذلك أميركا متقدمة ونحن متخلفون. ولذلك تستطيع، هي ومثيلاتها، أن يبقونا مستهلِكين بائسين، وأن يصادروا قرارنا ويحتلونا إذا أرادوا.
المُهم. إذا أردنا في الأردنّ أن نكون جادين في مشروع تطوير بلدنا بما فيه من إمكانيات، فإننا في حاجة حاسمة إلى تحويل الخطاب عن الإمكانيات والطاقات إلى عملٍ محسوب لتحقيقها بحدها الأقصى. وإذا كان أردنيون يفوزون، على مستوى العالَم العربي كله، ثلاث مرات على الأقل في برامج اكتشاف المواهب الغنائية، فإنهم ينطوون على إمكانية الظهور في المجالات الأخرى أيضاً -شريطة وجود "البرامج"، بالمعنى الأشمل.
فتَّشوا في المدارس عن إمكانيات الأبناء، واكتشفوها وطوّروها بكل ما يلزم. هيئوا المعلِّمين وزودوهم بشغف الاكتشاف والرعاية، والرغبة والإيمان بجدوى العمل على كل إشارة إلى التميُّز في طلبتهم. لا تقلّلوا من شأن مواهب الموسيقا والرياضة وأي شكل من أشكال الفن، ولا من شأن إبداع النجّار أو فني التمديدات الصحية، وضعوهم على السويّة نفسها مع أصحاب الفكر والعلوم.
لا تقمعوا ميول الأفراد إلى التجريب وشجعوهم على عَرض ما لديهم وما يعتقدون أنهم قادرون على فعله، وأعطوهم الأدوات والوقت والإرشاد الواعي لتجسيد مشاريعهم. لا تُغفلوا أيّ ميولٍ واعدة من أي نوع لدى الأفراد، لأن المجتمع الواعد هو مجموع أفراده الواعدين، ولأنّ تحقُّق الوعود الفردية هو صفة المجتمع الحيوي المتحرك الجاذب، الذي تتحول طاقاته الكامنة بلا توقف إلى حركية. وضيقوا المسافة، إذا كنتُم جادين في إشاعة الحياة في هذا البلد، بين الموجود بالإمكان، وبين الحادِث -الموجود في الواقع. دعوا الأفراد يشعرون بالمردود الإيجابي، ولا تجعلوا الذكي يستخدم ذكاءه في الاحتيال والقوي في الشجار. إنه مشروع جديرٌ، لمن يريد أن يكسر القالب ويُفلت بنا من حبس الإمكانية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الأحد 5 آب / أغسطس 2018.
    نعم ... فكما ان هناك " مكتبه عامه" يجب ان يكون ايضا " مشغل مهني عام " يستقطب "اصحاب المواهب والابداع " وينمي قدراتهم ويزيد من معرفتهم ... هذه خطوة "إصلاح وحماية الإبداع الفردي" رائعه .... وشكرا