الإرادة الملكية بالتنافسية

تم نشره في الأربعاء 8 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
  • د. خالد واصف الوزني

الدكتور خالد واصف الوزني*

في زيارته لرئاسة الوزراء وترؤسه جانباً من اجتماع مجلس الوزراء، أشار جلالة الملك صراحة إلى ما يسمعه من المستثمرين في الخارج حول وجود العديد من العوائق الإجرائية المحلية، على الرغم من وجود فرص استثمار واعدة وكبيرة في البلاد.

ويأتي اهتمام جلالته بهذا الموضوع، ليس فقط من خلال ما يستمع إليه من ملاحظات مباشرة من مستثمرين قاموا بالفعل بالاستثمار أو آخرين مهتمين به، بل أيضاً من خلال ما تفرده التقارير الدولية من حقائق حول البيئة الاستثمارية الداخلية وضرورة تصويب ما هو قائم، وخاصة في مجال الإجراءات الداخلية، وما يتعلق منها بحماية المستثمر، وغيرها من الإجراءات.

والدارس لوضع بيئة الاستثمار في الأردن يلاحظ بما لا يدع مجالاً للشك، أن العديد من القضايا المعيقة للاستثمار هي قضايا داخلية لا علاقة لها بالبيئة الإقليمية أو المناخ غير الآمن في المحيط. بل، كما سبق وكتبت هنا وفي مواقع أخرى، إن المشكلة المحورية في تحفيز الاستثمار القائم أو جذب المزيد من الاستثمار الخارج تكمن أساساً في معوقات إجرائية بيروقراطية محلية. والمتابع لتقرير التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لا يمكنه إلا أن يقف مستغرباً من حجم النقاط، أو لنقل المعوقات الداخلية المحلية التي تعتور المحاور الاثني عشر من محاور التنافسية على المستوى الوطني، والتي في معظمها معيقات وتحديات يمكن حلّها عبر قرارات وطنية، بل وأحياناً إجراءات لا تحتاج إلى أكثر من قرار لمجلس الوزراء، أو قرار لمجلس بلدي، أو حتى قرار مؤسسة ما في تغير أسلوب إعطاء الموافقات، أو سبل متابعة المعاملات.

ناهيك عن التأخر غير المبرر وغير المنطقي وغير المقبول في التحوُّل إلى تطبيقات الحكومة الذكية وتسهيل إجراء المعاملات، وهي قضية تدعو إلى الحيرة حقّاً. فبعد أن كان الأردن من الدول المبادرة في تطبيق الحكومة الإلكترونية في العام 2000، وتم في حينه اختيار مجموعة من الدوائر لبدء التجربة، إلا أن الأردن لم يغادر ذلك المربع بشكلٍ فعليٍّ، وبقينا في مرحة التجربة والتخطيط، في حين انتقلت دول مثل دولة الإمارات، من مرحلة الحكومة الإلكترونية، إلى تطبيقات الحكومة الذكية، إلى التجهيز لتطبيقات البلوك تشين Blockchain Economy، والذي من خلاله تنتهي المعاملات الورقية كافة. وهو فعلاً ما تُخطط أن تصل إليه دولة الإمارات بحلول العام 2020.

في ظل ما سبق جميعه، كانت النتيجة التراجع المستمر، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة، في الترتيب التنافسي، وكان التراجع الأخير في تقرير التنافسية العالمي 2018-2017 الذي أظهر تراجع الأردن من المركز 63 عالميّاً إلى المركز 65. في حين احتل الأردن في العام 2008 المركز 48، ما يشير إلى أنَّ العديد من العثرات أدَّت إلى تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد خلال السنوات العشر الماضية. والنتيجة الحتمية هنا هي في ضمور الاستثمار القائم، وإحجام الاستثمار الخارجي.

والمُتَبَحِّرُ في القضية يجد، كما سبق الإشارة إليه، أنَّ المطلوب مجموعة من الإجراءات الداخلية، التي لا يرقى معظمها حتى إلى تعديل القوانين، بل هي سياسات، وممكّنات، وإجراءات، وبعض الأنظمة؛ أي أنَّ معظم القرارات تصل في أقصى درجاتها مرحلة موافقة مجلس الوزراء لا أكثر.

وفي الختام، فإنَّ تحقيق رغبة جلالة الملك وإرادته في خلق بيئة استثمارية صحية ومُحفِّزة يتحقَّق فعلاً، إذا ما وضعنا خطة وخريطة عمل متكاملة تشمل أهدافاً رقمية واضحة تؤدي إلى وصول الأردن إلى المرتبة 25 على الأقل مع حلول المئوية الأول للدولة العام 2021. أي القفز نحو 40 مركزاً، وهو أمر يمكن تحقيقه إذا ما تمَّ العمل على محاور محددة في تقرير التنافسية الأخير وتكمن بشكل أساس في تحسينات مستوى فعالية سوق العمل، وسياسات الصحة والتعليم، والبيئة الاقتصادية الكلية، وتطوُّر سوق المال، الاستعداد الرقمي والتكنولوجي.

المحاور السابقة فرعية داخلية بحتة ضمن محاور التنافسية الاثني عشر، وهي تضعنا اليوم، وضمن فئاتها عالميا، في مراكز بين 118 و76، ما يؤدي الى تدني ترتيب الأردن عالميا الى المركز 65، ويضيع العديد من الجهود المبذولة لتحسين الصورة تنافسيا. العمل على تحسين تلك المحاور والمعايير التنافسية هو قرار داخلي، إجرائي في معظمه يمكن أن ينقلنا إلى مراكز متقدمة في أقل من عامين.

المطلوب خطة وخريطة طريق حقيقية وجادة نحو التحسين، ولدى الحكومة الحالية فرصة ذهبية تستطيع من خلالها أن تحقِّق ما لم ترغب أو تعمل أو تستطيع حكومات سابقة أن تفعله خلال السنوات السبع الماضية على الأقل. الحكومة الحاليّة قادرة على التنفيذ ويمكنها ذلك بكل تأكيد.

التعليق