كأس عالم حرية الصحافة

تم نشره في الأربعاء 8 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال كأس العالم - (أرشيفية)

كريستوف ديلوار*

باريس - عمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بجد من أجل إقامة كأس العالم للفيفا 2018 في روسيا، لكن مدى نفوذه تضاءل بعد انطلاق المسابقات. فهو لم يكن يستطيع السيطرة على الحكام أو أداء المنتخب الوطني الروسي، "سبورنايا"، الذي يحتل المرتبة 70 في العالم -والذي كان الفريق الأدنى تصنيفاً في البطولة. لكنه سيطر بشكل أكبر بكثير على كيفية تغطية البطولة، على الأقل من جهة وسائل الإعلام الروسية.

وفقاً لمؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تضعه كل عام منظمة مراسلون بلا حدود، تحتل روسيا المرتبة 148 من بين 180 دولة على المؤشر. وبدلاً من قبول المنافسة التي تأتي مع التعددية، كان الكرملين عازماً على التلاعب بقواعد السياسة وتثبيت "المباريات" الإعلامية لصالحه.

بدءاً من تجريم التشهير إلى منع الأخبار التي تسيء إلى "المشاعر الدينية للمؤمنين"، أصبحت قوانين الإعلام لدى بوتين أكثر تقييدا. وقد سمحت صياغتها الغامضة بتطبيقها بطريقة انتقائية واعتباطية، كما يخضع المدافعون عن حرية الصحافة الذين يسعون إلى تحدي هذا الوضع الراهن إلى مزيد من التدقيق.

مثل نظام نقل لاعب مزور، أحكم الكرملين قبضته على وسائل الإعلام الروسية الرائدة. وكانت الحكومة تتحكم في مذيعي التفلاز -مصدر الأخبار الرئيسي للروس- منذ أوائل العام 2000، عندما تم الاستيلاء على محطتي "أو. آر. تي"، و"أن. تي. في" من قبل بوريس بيريزوفسكي وفلاديمير جوسينسكي، على التوالي. وفي أعقاب ثورة العام 2014 في أوكرانيا، زادت هذه الإذاعات وغيرها من إنتاجها للدعاية المؤيدة للكرملين.

في العام 2015، على سبيل المثال، اتّهم فيلم وثائقي بثته إذاعة روسيا الأولى المملوكة للدولة، اتهم الناشطة في مجال حقوق الإنسان، ناديجدا كوتيبوفا، "بالتجسس الصناعي"، مما أجبرها على الرحيل إلى المنفى. وفي العام التالي، استخدمت القناة نفسها وثائق مزورة لاتهام ناقد الكرملين البارز أليكسي نافالني بأنه عميل لوكالة الاستخبارات البريطانية. وظلت قبضة بوتين على وسائل الإعلام الحكومية محكمة منذ كانون الأول (ديسمبر) 2013، عندما تم إعادة تجميع القنوات في اتحاد روسيا سيجودنيا لتحسين عرض "قصة روسيا".

وليس التلفزيون هو الوسيط الوحيد الذي يسيطر عليه الكرملين، بل إنه يعمل أيضاً على قطع ارتباط روسيا بالإنترنت. وقد تم حظر مواقع الويب، ومراقبة المدونين ومحركات البحث ومواقع تجميع الأخبار، وحظر الشبكات الظاهرية الخاصة. وفي نيسان (أبريل) الماضي، انضمت روسيا إلى دول مثل الصين وإيران، فقطعت الوصول إلى شبكة الرسائل المشفرة "تيليغرام". والأكثر إثارة للقلق، هو أنه قد تم سجن المزيد من مستخدمي الإنترنت بسبب تعليقاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، أو ببساطة لمجرد الإعجاب بمحتوى معين.

في كتابه الذي يحمل عنوان "الغريب"، كتب الحائز على جائزة نوبل، ألبرت كامو، أن جل ما تعلَّمه عن الحياة كان "في ملعب كرة القدم"، وأن الكرة المقذوفة "لا تجيء أبداً من الاتجاه الذي نتوقعه". ويمكن قول الشيء نفسه عن مجال اللعب الإعلامي في روسيا. فمنذ العام 1999، عندما أصبح بوتين رئيسا للوزراء لأول مرة، لقي 34 صحفيا حتفهم أثناء تأدية واجبهم في نقل الأخبار إلى الناس، بما في ذلك مراسل التحقيقات نيكولاي أندروشتشينكو، الذي تعرض للضرب حتى الموت في العام الماضي في سانت بطرسبرغ. وفي أغلب هذه الحالات، توقفت التحقيقات ولم يتم تحديد هوية الجناة.

ومع وجود مخاطر كبيرة، اختار العديد من مالكي وسائل الإعلام الانسحاب، وبيع محطاتهم التلفزيونية إلى أصحاب النفوذ الموالين للكرملين، الذين طلب منهم بوتين شراء نوادي كرة القدم سابقاً. وتعمل بعض المؤسسات الإعلامية على توفير صحافة عالية الجودة، ولكن ليس لديها الكثير من القراء أو المشاهدين مثل وسائل الإعلام الرائدة التي تسيطر عليها الدولة.

بالإضافة إلى ذلك، أُسقطت الإذاعة الوطنية المستقلة الوحيدة "دوزد" على يد خدمات الأقمار الصناعية والكابلات في العام 2014. وتمت إقالة غالينا تيمشينكو، رئيسة تحرير الموقع الإخباري لانتارو -الذي يعد من أكثر المواقع شعبية في روسيا- في العام نفسه، ودفع هذا الوضع الكثير من زملائها الصحفيين إلى تقديم استقالاتهم. وقد عانى فريق تحرير صحيفة "آر. بي. سي" الإعلامية من مصير مماثل في العام 2016. كما لم تنجح عمليات الإغلاق في توفير إذاعات إقليمية رائدة مثل محطة التلفزيون السيبيرية "تي. في-2" أو "نوفيي كوليسا"، أكبر صحيفة أسبوعية مستقلة في كالينينغراد. وقد تميزت كل من هذه الإذاعات بتغطيتها للقصص الحساسة -بدءاً من الصراع في أوكرانيا إلى الفساد عالي المستوى.

تتمتع روسيا اليوم بحرية أقل في الصحافة مع وجود المزيد من الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام والمدونين خلف القضبان أكثر من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991. وفي شبه جزيرة القرم والشيشان، لا تتوفر معظم وسائل الحماية الأساسية لوسائل الإعلام. وبسبب الكرملين، تم تحويل هذه المناطق إلى أخبار ومعلومات، حيث تتمتع السلطات بحرية التصرف دون الخوف من العواقب.

في مبارياتها في دور المجموعات في كأس العالم، تنافست روسيا ضد دول أخرى ذات تصنيف منخفض مثل مصر (المرتبة 45 في كرة القدم و161 على مؤشر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود) والمملكة العربية السعودية (المرتبة 67 من قبل الفيفا و169 على المؤشر). وعلى المستوى الرسمي، كانت الأوروغواي فقط (التي تحتل المرتبة 14 في كرة القدم و20 في حرية الإعلام) منافسة جيدة. ومع ذلك، بينما تمكنت روسيا من الوصول إلى الجولة الأخيرة من البطولة، فإن الإثارة في المباريات، وبعد احتمال نجاح روسيا، تسبب في تشويش عابر.

قد لا تكون المسابقة الأخيرة كأس عالَم لحرية الصحافة. ولكن، مع وجود روسيا تحت دائرة الضوء العالمية، يمكن للمجتمع الدولي بذل المزيد من الجهود في سبيل إطلاق سراح الصحفيين المسجونين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإلغاء القوانين الوحشية؛ وتخفيف سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام؛ ووضع حد للإفلات من العقاب. ومن غير المحتمل أن تأتي هذه الفرصة مرة أخرى في أي وقت قريب. ولا يجب أن يضيع العالَم هذه الفرصة.

 

*الأمين العام لمنظمة "مراسلون بلا حدود" الدولية.

*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق