علاء الدين أبو زينة

عشر سنوات على رحيل درويش..!

تم نشره في الأحد 12 آب / أغسطس 2018. 12:08 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 12 آب / أغسطس 2018. 01:35 صباحاً

سريعاً مرت عشر سنوات منذ رحيل محمود درويش. وما تزال المشاعر التي أثارها رحيله حارة. كأنه الأمس. لكنّ درويش لم يترك فراغاً يمكن أن يملأه أحد أو شيء، كما ينبغي لأي فراغ. فقد عمِل في مستوى خاص، من ذلك النوع الذي يفتتحه شعراء نادرون وفريدون، ويحجزونه إلى الأبد. وميزة هؤلاء الشعراء أنهم يجعلون مقاربة الشعر مرتقى صعباً لأنهم يرفعون معايير القصيدة إلى حد يتعب الآخرين.
ربما كانت طبيعة الحياة العربية في العصر الجاهلي قد أتاحت مجالاً نادراً للبلاغة والشعر، حتى يحتار قارئ المعلقات في أيها أبرع وأجمل. لكنّ الشعر العربي انسحب بالتدريج بعد نشوء الدولة، ولم يعد الشاعر لسان القبيلة وجهازها الدعائي، وإنما حل محله ناطق سياسي باسم السلطة، يتحدث لغة أكثر أرضية، وعن شؤون أوسع بكثير من الغزو والرعي والصيد والوقوف على الأطلال.
جاء محمود درويش في مرحلة لها خصوصيتان: دخول الشعر العالَمي في الحداثة ومحاولة الشعر العربي الالتحاق بالركب؛ وبروز القضية الفلسطينية كعنوان لصراع العرب من أجل التحرر كضرورة للتحديث. وتميّز درويش في تحقيق أفضل ما يمكن من الخصوصيتين. فعلى صعيد ثورة الشعر، التحق سريعاً بفهم شعراء الحداثة العالميين لما تعنيه الحداثة، على النقيض من شعراء عربٍ آخرين كافحوا في محاولة استكشاف الأشكال والمضامين الشعرية التي تُحدِّث الشعر العربي من دون أن تفصم علاقته العضوية بالثقافة العربية وجمهور الشعر العربي والعالمي.
لم يقع درويش في فخ الاستغراق في التجريد والتعمية على المعنى وإرباك المتلقي بذريعة الحداثة. ولم يقرأ حداثة الشعر على أنها إفلات مطلق من الإيقاع والقافية بحيث يتحول النص إلى نثرٍ فني يُنسب للشِعر. وفي الحقيقة، لم يكُن درويش مضطراً إلى هذا لأنه امتلك أدوات الشاعر اللغوية والروحية اللازمة للاحتفاظ بكثافة موسيقى النص وإيقاعه كجزء من المعنى. وقد دلّته سعة اطلاعه على أنّ رواد الحداثة في العالَم لم يتخلصوا حقاً من الإيقاع الشكلي للنص، وإنما حرّروه قليلاً فقط لمنح حريّة أكبر للإيقاع الداخلي وتنويع الانطباعات.
على المستوى الآخر، كان درويش -موضوعياً- جزءاً من القضية الفلسطينية، بما تعنيه للوجدان والأحلام العربية الفردية والجمعية. لكنّه وجد المعادلة الصحيحة للتوفيق بين الشخصي والوطني والإنساني من دون تضييع فرادة الصوت والقضية. وقد أنتجت هذه التركيبة البارعة قصيدة تتواصل مع أكبر عدد ممكن من الجمهور من مختلف الطبقات، بلا تضحية بفنّيات القصيدة وبحثها عن أعلى معايير الشعر في كل شيء. وبقدر ما كان درويش شاعراً نخبوياً، فإنّه كان أيضاً شاعراً مفهوماً للناس العاديين. وكانت المناسبات التي يلقي فيها شعره جاذبة لجمهور متنوع لا يدّعي التفاعل مع ما يسمع، وإنما يفهمه ويحسه. وكانت هناك سهولة ممتنعة مماثلة في وصوله إلى الجمهور الذي يقرأ شعره مُترجماً إلى اللغات الأخرى، ويندهش أيضاً.
امتلك درويش على المستوى الفنيّ، كما أتصوّر، ميزة لا تُتاح إلا لمتصل حقيقي بآلهة الشّعر: تجسيد العلاقة التلقائية بين الصوت والانطباع. بطريقة بعيدة عن التصنع، تتراصف في قصيدة درويش المفردات التي تُميزها الحروف ذات الأصوات الحَلقية القوية (الحاء والعين والقاف والهاء والهمزة)؛ حيث يلزم استدعاء الأذن واستنفار الحواسّ، (على سبيل المثال لا الحصر: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"). وفي مكان آخر، تتقاطر المفردات ذات الأصوات الهامسة الناعمة التي تلامس بلطف مناطق مقصودة من الإدراك، ("سيدة الأرض، أم البدايات، أم النهايات، كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين"). وبالوسع تعقب هذا الترتيب الخاص في كل مكان في عمل درويش، والذي أتصور أنه جزء مركزي من البناء الذي يضاعف الانطباعات الجمالية والمفاهيمية لنصه.
هذه الشروط وغيرها في عمل درويش مثار متواصل للدهشة. فالمفردات والثيمات موجودة في كل مكان، لكن القدرة على استكشاف أقصى الممكن من قدرة اللغة على توليد التراكيب الجديدة المعجِزة أصعب من أن تكون في المتناول. وليس من السهل استمرار الشِّعر في خط تصاعدي وبلا تكرار على مدى عُمر كامل من العمل في اللغة. لذلك، وغيره، لم يترك محمود درويش فراغاً، وقد تواجد في كل أركانِ حيّز الشعر، ووضع فيه توقيعه.

التعليق