د.باسم الطويسي

نحن ونظرية حروب الجيل الخامس

تم نشره في الأحد 12 آب / أغسطس 2018. 12:07 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 12 آب / أغسطس 2018. 01:35 صباحاً

جاءت العملية الإرهابية التي استهدفت إحدى دوريات الدرك والأمن العام أثناء القيام بواجبها في تأمين مهرجان الفحيص بعد موجة من الإشاعات والأخبار الكاذبة، بعضها مجهول المصدر، وغير المسبوقة، والتي هدف بعضها الى خلق حالة من الإرباك الداخلي، ما يدفع للسؤال هل أخذ بعض شرر ما يسمى حروب الجيل الخامس المستعرة في الجوار تتجاوز الحدود نحونا؟
مع سنوات ثورات الربيع العربي الأولى، انتشر الحديث بقوة عن حروب الجيل الرابع، وهي حروب بدأت منذ مطلع التسعينيات، وتسمى الحروب غير المتماثلة التي تتجاوز الحرب التقليدية بين دولتين أو تحالفين، بل يكون العدو فيها ليس دولة وأحيانا غير معروف الملامح. وانسحب هذا المفهوم الأميركي في بداياته على حروب الإرهاب المتتابعة التي خيضت ضد جماعات وتنظيمات وكيانات غير واضحة الملامح وتوصف بسيولة كبيرة وانتشار واسع. مع التحولات العربية ظهرت نسخة متقدمة من حروب الجيل الرابع سوف تؤسس -حسب الكتابات الاستراتيجية- للجيل الخامس، برزت  هذه الحرب مستثمرة قوة الإعلام والاتصال وتكنولوجيا المعلومات؛ حيث أخذت الإشاعة والأخبار المفبركة والفقاعات الدعائية والحرب النفسية أداة أساسية في إدارة الصراعات سواء في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتركز على المناطق الرخوة في المجتمعات وتحاول أن تتسلل من خلالها.
في آخر سنتين، ازداد الحديث عن الجيل الخامس من الحروب الذي تزداد فيه قوة التأثيرات الدعائية والحروب الإعلامية واستخدام شبكات الإعلام الاجتماعي والعنف الذي يبدو غير منظم. وتعتمد هذه الحروب في الأساس على خلق تناقضات واسعة بين المجتمع والدولة واللعب بقوة في المناطق الاجتماعية والاقتصادية الرخوة من أجل خلق هشاشة تقود الى دولة فاشلة بالمعنيين السياسي-الأمني والاقتصادي.
تستخدم هذه الحروب تكنولوجيا الاتصال بقوة وتبني خططها في نشر الإرباك السياسي والاجتماعي بالطرق المعتادة والطبيعية، ما يجعل البعض يعتقد أن المعركة تدار من الداخل، ويمكن فيها الفصل بين الخارج والداخل.
يعتمد مخططو معارك العقول والتخريب النفسي والاجتماعي على قواعد بيانات واسعة وشاملة توفر التفاصيل كافة عن أحوال المجتمعات وبنيتها التاريخية ومناطق الهشاشة فيها، وتصل الى محو الثقة بالمؤسسات العامة وخلق شرخ عميق بين الدولة والمجتمع وكسر الروح المعنوية والثقة بالنفس، وبالتالي خلق الفوضى ورفع مستوى الخوف ثم قيادة الجماعات والأفراد بقوة الإيحاء التي توفرها الدعاية عبر منافذها المتعددة.
تبدأ حروب الجيل الخامس بالعنف غير المسلح والعنف المسلح والمنظم وقد تمتد الى إغراق المجتمعات المستهدفة بالمخدرات، وقد تستهدف زرع شبكات للفساد على شكل رجال أعمال ومستثمرين يعملون على تخريب النظام الاقتصادي من خلال توريط القطاعات الاقتصادية بصفقات وأعمال تهز الاقتصاد وتهز الثقة به وتزيد من الفجوة بين المجتمع والدولة.
يستثمر هذا الجيل من الحروب في تكنولوجيا الاتصال والإعلام وما شهدته من تحولات عميقة في آخر عقدين، وبالتالي فهي تعتمد على مبدأ الحرب الأقل كلفة لخلق تهيئة اجتماعية واسعة لإفشال النظم السياسية المستهدفة وإفشال الأنظمة الاقتصادية للدول، كما تستثمر قوة التكنولوجيا في خلق التعبئة والتحشيد وبناء التحالفات السريعة.
كثير من هجمات الجيلين الرابع والخامس انكسرت على عتبة قوة المجتمعات وتماسكها، ولم تتجاوز تلك المحاولات موجات من الإشاعات وأعمال عنف محدودة.
العالم من حولنا ليس بريئا، ونحن لدينا مواقفنا ومصالحنا؛ ومصلحتنا اليوم أن يفرخ مهرجان الفحيص عشرات المهرجانات، وأن نواجه حرب الإشاعات بالمزيد من الحريات الإعلامية والمزيد من المهنية.

التعليق