ماجد توبة

الإرهاب ومعركة المجتمع!

تم نشره في الأحد 12 آب / أغسطس 2018. 11:05 مـساءً

رغم فداحة خسارتنا ومرارتها بسقوط خمسة شهداء من الأجهزة الأمنية في معركتنا مع الإرهاب والظلاميين، فإننا نخرج بعد كل معركة شبيهة أكثر ثقة واطمئنانا بأن أردننا بخير وقوة، وأن شعبنا أكثر تماسكا ووحدة وتلاحما بوجه كل ما يمس أمنه واستقراره واحة للحياة والخير والمستقبل، وأننا قد نختلف في الكثير من الآراء وعلى الكثير من السياسات والقضايا، لكننا نقف متلاحمين بصلابة أمام من يريد أن يخطف بلدنا وأمننا وأحلامنا بالمستقبل لمجاهل التطرف والانغلاق بالقتل واستباحة الدماء تحت أي عنوان أو شعار.
ثمة مقدسات وثوابت وطنية هنا توحد جميع الأردنيين، فالاستقرار وأمن البلد والناس وحقنا بالتمتع بحريتنا وسلامتنا في شوارعنا ومدارسنا وأعمالنا وأسواقنا مقدس، ولا يسمح للرابضين بكهوف الظلام والرطوبة الفكرية والإنسانية أن يصادروا هذا الحق.
كل معركة أمنية مع قوى الظلام والتطرف وبقايا الإرهاب، وهي والحمد لله باتت معارك قليلة جدا وحوادث معزولة رغم فداحة وقداسة كل روح شهيد يرتقي فيها دفاعا عن الوطن واستقراره ومواطنيه وأمنهم، أقول كل معركة أمنية مع هذه الجزر المتطرفة والإرهابية المعزولة أن المعركة الأساسية مع هذه القوى ليست الأمنية والعسكرية على أهميتها، بل هي معركة تعرية وعزل المعين الفكري المشوه والمتعفن الذي ينتج مثل هؤلاء القتلة والكافرين بإنسانيتنا وحقنا كبشر ومجتمعات بالحياة والحرية والتقدم.
ثمة بيئة فكرية، وأتردد كثيرا بالقول -موضوعيا- بأن هناك أيضا بيئة اجتماعية في الأردن، حاضنة لهؤلاء القتلة المتحجرين، الذين يستقون النموذج الداعشي والقاعدي والطالباني كممثل للإسلام، وهي بيئة فكرية لا تعيش إلا في الظلام والرطوبة العفنة، ولا يعريها سوى الفكر المعتدل المضاد، والثقافة الإنسانية الرحبة التي يتردد الكثير من النخب والمؤسسات عن خوض معركتها، مكتفين بالركون الى تقدم الدور الأمني والعسكري والقانوني بالمعركة.
أزعم أن لا بيئة اجتماعية حاضنة، بالمعنى العلمي والموضوعي، تتوفر اليوم لأصحاب هذا الفكر المتطرف والدموي، رغم ما قد يظهر نظريا على السطح من وجود الكثيرين ممن يحملون الفكر المشوه ذاته لمثل هؤلاء القتلة والمتحجرين، فنماذج سيادة هذا الفكر والثقافة المتوحشة المتسربلة باسم الدين ونموذج الأصول الزائف ماثلة اليوم أمام الأردنيين وكل العرب والمسلمين والبشر في سورية وليبيا والعراق ومناطق عديدة من العالم، ولم تخلف سوى الدمار والقتل واستباحة الدماء والأعراض والأوطان، واستعباد النساء والأطفال والرجال، وإعلان الحرب على البشرية جمعاء باسم الدين والحق، وهما منهم براء!!
الأردنيون الذين يخوضون اليوم نضالهم المطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد وتعزيز الحريات ودولة المواطنة والقانون وضمان حياة كريمة في بلدهم، أمامهم أيضا معركة لا تقل أهمية بل ربما تقدمت في سلم الأولويات، وهي التصدي بكل وعي لأصحاب الفكر المتحجر والمتطرف وحاملي ثقافة الكراهية والموت وكهوف الظلام، ولا يجوز بأي حال أن يبقى أبناء الأجهزة الأمنية الذين يضحون بأرواحهم وسلامتهم وحيدين في المعركة ينوبون عنا جميعا بخوض معركة تحتاج لجهود كل المجتمع ومؤسساته ونخبه، كل من موقعه ودوره.
بعد أن ننتهي من دفن شهدائنا الكرام، علينا جميعا، مواطنين ومؤسسات رسمية وأهلية ومدنية ونخبا، أن نسأل أنفسنا ما الذي يمكن أن نقدمه بمعركة الوعي والفكر لمواجهة مثل هؤلاء القتلة المتحجرين ومن يمدهم بالفكر المزيف والضال للخروج على كل القيم الإنسانية والدينية والوطنية!

التعليق