شاهر أبو شحوت.. التقاء الشجاعة مع الأخلاق

تم نشره في الاثنين 13 آب / أغسطس 2018. 12:03 صباحاً

أتاح لي الدكتور (والصديق بعد إذنه)، هاني الخصاونة، فرصة الاطلاع على مذكرات المرحوم شاهر أبو شحوت، رئيس الهيئة التأسيسية لحركة الضباط الأردنيين الأحرار (1950-1957). وكان الدكتور الخصاونة قد ألقى كلمة مميزة في الاحتفال بأبو شحوت كشخصية العام في مهرجان الفحيص.
أمضيت اليومين الماضيين في قراءة المذكرات، وذلك في سياق عملي الرئيسي الحالي في دراسة التاريخ الشفوي المتعلق بالملك الحسين رحمه الله، بتكليف من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية.
سوف أشير هنا باختصار إلى ملاحظتين سريعتين:
الأولى، أن رواية أبو شحوت، ربما تمثل أشمل وأدق عرض لقصة "الضباط الأردنيين الأحرار"، فهو مع زميله محمود المعايطة، أول من بادر إلى التفكير بعمل سياسي داخل الجيش بهدف محدد هو التخلص من قيادته الإنجليزية؛ أي تعريب الجيش، وهي الفكرة التي ظهرت فورا بعد الهزيمة في حرب العام 1948، وعبرت عنها جزئياً وبشكل غير مباشر، مجلة داخلية كانت تكتب بخط اليد وتقرأ أمام الجنود واسمها "القنبلة" إلى أن أوقفها قرار من كلوب باشا.
ظلت الفكرة تتطور؛ حيث يتعرف أبو شحوت من خلال أصدقاء سابقين على حزب البعث، لكن الحزب يرفض التنظيم العسكري، فيحتار أبو شحوت والمعايطة ماذا يفعلان مع زملائهما، فيبادران معاً إلى تأسيس منظمة عسكرية سرية خاصة باسم "التنظيم السري للضباط الوطنيين"، التي تهدف إلى تعريب الجيش، وتبدأ برسم الخطط، كان ذلك العام 1950. ويختار الضباط لقب "زميل" كتمييز عن لقب رفيق. وظلت المنظمة تعمل تحت هذا الاسم، حتى العام 1953؛ حيث غيرت الاسم تأثرا بالتجربة المصرية، وأصبحت "الضباط الأردنيين الأحرار".
يروي أبو شحوت بالتفصيل كيف عرف الملك الحسين مبكرا عن الحركة وعن أعضائها، عن طريق علي أبو نوار الذي كان على اطلاع جزئي على نشاط الحركة، وأنه (أي أبو شحوت) غضب في البداية من إبلاغ أبو نوار للملك، لا سيما أنه لم يأخذ موافقة باقي الزملاء على ذلك، لكن أبو نوار يطمئنه على موقف الملك الإيجابي، ويرتب له لقاء سريعا على هامش احتفال عام، ويعده الملك بالتواصل لاحقاً.
بعد العودة، يعلم الزملاء، ويغضبون مما حصل، ويعتبرون أن ذلك سيقضي على الحركة، ويقررون فصل أبو شحوت، لولا أن العلاقة الحميمية بينهم تحول دون الفراق. لكن الملك لم يتصل بهم، ويستمر لوم الزملاء، لكن الضباط يستمرون في توسيع تنظيم الحركة ليشمل قطاعات الجيش كافة، إلى أن يحصل الاتصال في مرحلة سياسية لاحقة، ويقرر الملك، وبعلم الضباط، إنهاء خدمات كلوب وباقي الضباط الإنجليز، ثم تقرر الحركة أن مهمتها أنجزت وأن دورها السياسي انتهى وترفع الشعار الآتي: "كلنا اليوم أحرار في جيش عربي حر وواجبنا هو حماية الوطن من العدو الأول إسرائيل".
التفاصيل كثيرة، بانتظار أن تُنشر المذكرات المهمة. ذلك أن المسارات السياسية العامة للبلد وللحكم وللأشخاص، بمن فيهم أعضاء الحركة، قد أخذت اتجاهات أخرى.
الملاحظة الثانية التي شدتني في كل الصفحات، هي الأخلاقيات العالية التي يتمتع بها أبو شحوت وتظهرها المذكرات، وخاصة في حديثه عن زملائه بمن فيهم الذين أصبحوا خصوماً فيما بعد، فلم ينكر دور أحد أو يقلل منه، وقدمهم بكل احترام، بل إنه حرص على ذكر أسماء وأحداث على الهامش، بعضها لمواطنين عاديين أو لأماكن مر بها في فلسطين أثناء خدمته هناك التي استمرت بين 1944 و1957.
ورغم أن أبو شحوت كان قد انتخب منذ البداية كرئيس للهيئة التأسيسية للحركة، وكانت له المهمة القيادية الأولى، إلا أنه حرص على تقديم ذلك بمنتهى الذوق والتهذيب.
إن هذه الملاحظة المتعلقة بأخلاقيات العمل وأخلاقيات كتابة المذكرات، قد تفوق في الأهمية الأحداث ذاتها، فالأخيرة تتبدل، كما تتبدل زوايا النظر إليها، غير أن درس الأخلاق أبقى.
مذكرات أبو شحوت، مكتظة بمشاهد الرجولة والشجاعة، المشاهد التي كان فيها الأردن وفلسطين والصراع ضد العدو، شأناً شخصياً يومياً حياتياً عند هذه المجموعة من المناضلين، غير أن أبو شحوت الضابط الأردني السلطي، أضاف إليها لونه الأخلاقي الرفيع.

التعليق