صيف السُّخط الصيني

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

مينكسين بي*

كليرمونتي، كاليفورنيا- تتميز السياسة بعادة سيئة، هي أنها لا تكف عن تقديم المفاجآت -خاصة في بلد مثل الصين؛ حيث يوجد القليل من الشفافية والكثير من المكيدة. وقبل خمسة أشهر، فاجأ الرئيس شي جين بينغ مواطنيه بإلغاء الحد الأقصى لفترة الرئاسة، والإشارة إلى نيته البقاء في المنصب مدى الحياة. لكن المفاجأة الحقيقية أتت لاحقاً.

في ذلك الوقت، كانت هيمنته داخل الدولة الحزبية الصينية مطلقة، وبالتالي فإن سلطته لا يمكن أن تتعرض للهجوم حسب الحكمة التقليدية. ويواجه شي الآن أسوأ صيف منذ توليه السلطة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، والذي يتميز بتدفق مستمر من الأخبار السيئة التي تركت العديد من الصينيين -وخاصة النخب الصينية- مع شعور بخيبة الأمل والقلق والغضب والعجز، وعدم الرضا عن قوة زعيمهم المتزايدة.

كان آخر الأخبار السيئة التي انفجرت في أواخر الشهر الماضي، هي اكتشاف المحققين الحكوميين أن شركة أدوية كانت تنتج لقاحات دون المستوى المطلوب للدفتيريا، والكزاز، والسعال الديكي. وقامت بتزوير بيانات لقاح داء الكلب الذي تنتجه. وقد أخذ مئات الآلاف من الأطفال الصينيين على مستوى البلاد تلك اللقاحات المعيبة.

بطبيعة الحال، شهدت الصين العديد من الفضائح المماثلة من قبل -من أغذية الأطفال الملوثة إلى تلوث عقاقير الهيبارين التي تضعف الدم- وقامت بمحاسبة رجال الأعمال الجشعين والمسؤولين الفاسدين. لكن شي راكم رأس مال سياسي كبير باقتلاع الفساد وتعزيز السيطرة عليه. وتشكل حقيقة وجود شركة خاصة ذات علاقات سياسية عميقة في قلب فضيحة اللقاح، دليلاً مؤلماً على أن حملة شي لمكافحة الفساد من أعلى إلى أسفل لم تكن فعالة كما ادعى. وكانت النتيجة غير المقصودة لتركيز شي السلطة هي أن يكون مسؤولاً عن الفضيحة، على الأقل في نظر الجمهور الصيني.

لكن ردة الفعل المعاكسة ضد شي كانت قد بدأت حتى قبل الكشف عن قصة اللقاح. كانت المخاوف تتزايد بسبب الخلق التدريجي لظاهرة عبادة شخصيته. وفي الأشهر الأخيرة، لم يدخر الموالون للرئيس "شي" أي جهد في هذا الصدد. وقد تم تصنيف القرية المهجورة التي أمضى فيها شي سبعة أعوام كمزارع أثناء الثورة الثقافية كمصدر "للمعرفة العظيمة"، وأصبحت وجهة سياحية رائجة. وبالنسبة للبعض، يذكرنا هذا إلى حد بعيد بالوضع شبه الإلهي الذي نسب إلى ماو تسي تونغ، والذي أدى خلال "القفزة الكبرى إلى الأمام" و"الثورة الثقافية" إلى وفاة الملايين وتدمير الاقتصاد الصيني تقريباً.

في واقع الأمر، أصبحت الأخبار الاقتصادية في الصين اليوم قاتمة، بداية من انخفاض أسعار الأسهم هذا العام بنسبة 14 في المائة. وقبل ثلاثة مواسم، في مواجهة انخفاض حاد في أسعار الأسهم، أمر شي الشركات المملوكة للدولة بشراء أسهم لدعم السوق. ولكن، بمجرد توقف عمليات الشراء القسري، فقد تبع ذلك تراجع آخر في السوق، وهذه المرة على خلفية من احتياطات النقد الأجنبي الناضب. ولم يكرر شي هذا القدر من الأمية الاقتصادية هذه المرة، لكن ما سيأتي بعد ذلك بالنسبة لسوق الأسهم الصينية يبقى سؤالاً مفتوحاً.

وهناك المزيد من الأخبار الاقتصادية السيئة. فقد وصل الرنمينبي إلى أدنى مستوى له في 13 شهراً. وبينما كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في طريقه إلى تحقيق هدف 6.5 في المائة للعام 2018، فإن الاقتصاد يظهر علامات ضعف. وقد تباطأت كل من الاستثمارات ومبيعات العقارات والاستهلاك الخاص، مما دفع الحكومة إلى وقف جهودها لتخفيض الديون وتخصيص المزيد من الأموال لدعم النمو.

غير أن أسوأ تطور اقتصادي هو ذلك الذي يتمثل في نشوب حرب تجارية مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن التأثير الاقتصادي لهذه التطور لم يظهر بعد، فإن الصدام حول التجارة الذي بدأه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من المرجح أن يشكل التحدي الأصعب الذي يواجهه شي حتى الآن، لأسباب تذهب إلى ما هو أبعد من الاقتصاد.

من جهة أخرى، هناك تشجيع شي على "حلم الصين"، الذي يستلزم إحياء البلد كقوة عالمية. ولكن، وكما توضح الحرب التجارية، ما تزال الصين تعتمد بشكل كبير على الأسواق والتكنولوجيات الأميركية. وبعيداً عن أن تكون قوة مهيمنة منبعثة تستعد لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، فإن صين شي تبدو عملاقاً ذا أقدام من طين.

من الصعب المبالغة في الآثار الجيواستراتيجية. ففي السنوات الأربعين التي مرت منذ بدأ دنغ شياو بينغ في إخراج الصين من العصور المظلمة الماوية، حققت البلاد نمواً اقتصادياً وتطوراً غير مسبوق. ولكن، لطالما كان هذا التقدم مستحيلاً -أو على الأقل بطيئاً- لولا سياسة الصين المتمثلة في الحفاظ على علاقة التعاون مع الولايات المتحدة. وقد غير شي هذه السياسة خلال فترة ولايته، ناهيك عن تصرفاته العدوانية المتزايدة في بحر الصين الجنوبي.

تشير هذه التطورات إلى استنتاج مباشر: أن الصين تسير في الاتجاه الخاطئ. وهو ما تعتقد به النخب الصينية التي يبدو إحباطها واضحا -وفي تصاعد.

مع ذلك، وعلى الرغم من الإشاعات التي تتحدث عن تراجع قوّته وتعرضه للانتقاد من كبار السن المتقاعدين، من غير المرجح أن يتم إسقاط شي. وهو ما يزال يسيطر بقوة على الأجهزة الأمنية التابعة للدولة والجيش. وعلاوة على ذلك، ليس لديه منافس شجاع أو له نفوذ حقيقي لتحدي سلطته، كما فعل دينغ وغيره من الثوريين المخضرمين في العام 1978، عندما طردوا هوا جو فينغ، خليفة ماو الذي كان قد اختاره زعيماً للحزب الشيوعي الصيني.

مع ذلك، تبقى الطريق إلى الأمام شاقة. وإذا واصل الزعيم الصيني السير على مساره الحالي، فإن الصين سوف تتعثر، الأمر الذي سيزيد من سلبية قيادته. لكن تغيير المسار قد يضر أيضاً بسمعة شي، والتي قد ترقى إلى إساءة الحكم -وهي مشكلة كل قائد، وإنما التي تكون سيئة بشكل خاص بالنسبة لشخص قوي مثل شي. وحتى بعض السياسات الجديدة التي تبناها ربما تتعارض مع غرائزه وقيمه.

هناك الآن مخاطر حقيقية. لكن شي ربما لا يملك خياراً سوى مواجهتها. ومع اقتراب صيف السخط بوضوح، سوف يحتاج الزعيم الصيني إلى خطة جديدة.

 

*أستاذ الحكم بكلية ماكينا في فيرموت، ومؤلف كتاب "رأسمالية المحسوبية في الصين".

*خاص بـ ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق