الحمائية التجارية والشعبوية السياسية: وجهان لعملة واحدة

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

د. عبدالحليم محيسن*

عمان- لم تكن المعارك (وليس الحروب) التجارية، التي أطلقها ترامب منذ انتقاله الى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة وليدة لحظتها، أو جاءت صدفة بدون مقدمات سياسة واجتماعية سبقتها في العديد من دول الغرب.
فقد كان لافتا قبل ذلك صعود اليمين المتطرف، والشعبوية السياسية في عدد من الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة قبل ذلك بسنوات عديدة منذ وصول المحافظين الجدد في عهد الرئيس بوش الابن في العام 2000.
وقد حقق اليمين نجاحات سياسة في الوصول الى الحكم في بعض الدول كهولندا مثلا، وصعد نجمه الى مقدمة الأحزاب السياسة كفرنسا مثلا، وهو ما يزال يعمل جاهدا لثبيت أقدامه في هذه الدول تمهيدا للوصول الى الحكم فيها مستفيدا من تصاعد روح التطرف اليميني الشعبوي في هذه الدول التي نمت بسبب عوامل عديدة منها الهجرة، والتراجع الاقتصادي، وارتفاع البطالة وغيرها من العوامل الأخرى.
في خضم هذا الواقع والسياق، جاءت شرارة المعارك التجارية التي أطلقها ترامب ليحقق لنفسه ولليمين الذي يمثلة قوة دفع جديدة، وإن كانت على حساب الحلفاء والأصدقاء، وذلك بالرغم من أنه يدرك أن هذه المعارك لا فائز فيها فالكل خاسر... إلا اليمين المتطرف الذي يقتات وينمو بطبيعة تكوينه العضوي على مثل هذه التناقضات الظاهرة والمعارك المفتعلة.
في اعتقادي أن ما يجري حاليا ما يزال في مستوى المعارك التجارية البسيطة، والتي ربما يصلح تسميتها "بالمعارك الاختبارية"، وأن الأمر لم يصل بعد الى مستوى "الحرب التجارية الشاملة" بانتظار أن يقيّم الجميع بمن فيهم ترامب وفريقه نتائج هذه الحروب الاختبارية اقتصاديا وسياسيا.
وفي اعتقادي أن نتيجة التقييم يعرفها الجميع بمن فيهم ترامب نفسه، لكن الأمر مرتبط بالمكاسب السياسية الضيقة والآنية التي يسعى اليمين المتطرف الى تحقيقها.
الى أين تمضي الأمور؟... وهل يمكن أن تتحول المعارك الى حروب تجارية شاملة ودائمة؟ أعود في الإجابة عن هذه التساؤلات إلى أحد عناوين الكتب ذائعة الصيت في الاقتصاد ألفه الدكتور فؤاد مرسي العام 1990 والذي يصلح حسب وجهة نظري أن يصبح مقولة أو حتى نظرية اقتصادية شاملة، وهي أن "الرأسمالية تجدد نفسها". فالدول الغربية الرأسمالية تدار بمنطق الشركات، وتعمل بمفهوم الربح والخسارة، وهؤلاء القوم يعون التاريخ جيدا، فالمصالح المتبادلة والعلاقات الاقتصادية بين الدول أصبحت أكبر وأخطر من أن تتقبل نزاعات كبيرة كتلك التي أطلق شرارتها ترامب، وستسعى هذه الدول إلى تجاوز نتائج هذه السياسة الرعناء والعابرة، لتلفت الى مصالحها الحقيقية المتمثلة في الاعتماد المتبادل الكبير بين الدول والشعوب، وسيدرك الجميع، بمن فيهم اليمينيون الشعبويون، أن لا مناص من العودة الى منطق الرأسمالية الأساسي من السوق والحرية الاقتصادية والمصالح المشتركة والمتبادلة طال الزمن أم قصر.

*مستشار اقتصادي

التعليق