زليخة أبوريشة

بين التحريم الفرديّ والتحريم المجتمعيّ

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018. 12:04 صباحاً

يبحثُ المسلم والمسلمةُ عن الحلال والحرام. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ يندرجُ في بنية الإيمان بالدين نفسه؛ فهُما -أي المسلمةُ والمسلمُ- مطلوبٌ منهما بحسب هذا الإيمان، أن يتوخيا ما هو مسموح به وما هو ممنوع ليكتملَ إيمانهما. أي أن هناك قائمة من المحظورات والمُباحات جاهزة تُتَناقَل عبر أجهزة التربية الأُسرية والرسمية والإعلام ومؤسسات الوعظ والإرشاد وغيرها من قنوات. ولكنَّ هذه القائمة تختلفُ من مذهبٍ فقهيٍ إلى آخر، ومن درجة اللون في طيفِ الإسلام السياسي إلى درجةٍ أخرى. ولنأخذ لذلك مثالاً "حجاب المرأة". وهو موضوعٌ أخذ مساحةً كبيرةً في السجال الثقافي والإعلامي ازداد في العقد الأخير، لاعتباراتٍ شرحناها في مقالات سابقة.

فحجابُ المرأة (ناهيك عن النقاب) يتراوح بين الفرض والرفض؛ أي بين أنه واجبٌ وفرضٌ على المرأة، وبين من يقول بعدم وجوبه إطلاقاً، أي برفض حجابِ المرأة من حيثُ هو. وجميعُ الأطرافِ المتناوئة في الموضوع، وتلك التي تحرّمُ حتى صوتَ المرأة، تستندُ إلى نصوصٍ من القرآن أو الحديث لتأكيد فكرة الحلال أو الحرام. بل إن بعضها يذهبُ في تحميلِ حرمة كشف المرأة لوجهها أو لشعرها لآل بيتها من الذكور، الأب والأخ والزوجُ والابنُ والعم، ومن الذين يقولون بتحليل كشف المرأة شعرها عدد من مفكري ومفكرات العصر الراهن وأهل الفقه فيه (شحرور، الجابري، البنّا، البحيري...).

إذن، فحجابُ المرأة مسألةٌ فقهيةٌ مختَلَف عليها من داخل القراءة الإيمانيّة لا من خارجها، فجميعُ من قال بعدم الوجوب، ناقشَ الأمر انطلاقاً من صحة العودة إلى النصّ كمنظّمٍ لحياة من يؤمنُ به. ولكنَّ الشائعَ الآن في المجتمعات العربية وذات الأغلبية المسلمة، أن الحجابَ فرضٌ على المرأة، وللذكر في عائلتها حقُّ مراقبة ذلك والحسابُ عليه. بل يمكن أن يمتدَّ مفهوم الحجاب إلى حجابِ الطفلات وحتى الرضيعات، وإلى تحريم تعليم المرأة، وعملها، وخروجها من بيتها، والاختلاط بالرجال، بل ودفنها في مقابر مختلطة! وأسباب هذا الشيوع معلومةٌ ونوقشَت في غير موقعٍ ومناسبةٍ، ولا يحسنُ الخوضُ فيها الآن.

وبغض النظر عن أنَّ المعارك بين أطراف السجال كانت تنتهي دوماً بتكفير هذه (الفئة الضالة صاحبة الأجندات الغربيّة والصهيونية!!)، إلا أنَّ ما يعنينا هنا التمييز بين التحريم الفردي والتحريم المجتمعيّ؛ أي بين أن أعتقد أن كشفَ شعر المرأة حرامٌ فأحرصَ على تغطية شَعري، وبين أن أعتقدَ أن على جميع النساء المسلمات أن يغطين شعورهن، بقوة الردع المجتمعيّة، فأهاجمَ من تكشفُه بل وأكفّرها. والحقُّ أنّ قوةَ الردع المجتمعيّة قد نمت بالتوازي مع نموّ الإسلام السياسي بأطيافه المعتدلة والمتشدّدة؛ فصارت النساء مزوّداتٍ بأدوات هجومٍ على غير المحجّبة، يرمقنها بالنظرات المستغربة، إن غاب عنهنّ التعليق والسؤال إذا ما كانت مسلمةً؟ بل يمكن أن تتعرّض السافرة إلى عباراتٍ خشنةٍ من شبابِ المارّة، في الشارع أو على مواقع التواصل الإلكترونية. حتى يمكن القول إن السفور غدا، مجتمعيّاً، عنواناً على الكفر والإلحاد والعلمانية (!!). وابتغاءَ التوازن، سأذكّرُ أن الحجابَ نفسه قد غدا عند بعض الفئاتِ العلمانيّة عنواناً للتخلّف والظلاميّة، فتحريمه يشبهُ تحريم السفور على أهل الحجاب والنقاب، وإن كان صدى لما تصدرُ آلة التكفير في الضفة الثانية. وليس هذا موضوعنا الآن.

وإذن، فإن تحريم السفور على المرأة قد انتقلَ تطبيقُه من التحريم الفردي إلى التحريم المجتمعي، من دون أن يحسمَ النصُّ ذلك. فالتحريمُ المجتمعي، الذي لا يكفُّ عن الدعوةِ إليه دعاةٌ وكليّاتٌ ومؤسسات دينيّة ومنابر، له ارتباطٌ وثيقٌ بالدعوةِ إلى فكرة الخلافة الإسلاميّة، وتطبيق الشريعة بديلاً لما يسمى اليوم "الدولة المدنيّة".

 دعونا لا نفقد الأمل!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هــذا ؟؟؟ (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018.
    تشويش فكري... فما ورد فيه " نص قرآني صريح" لا يقبل الاجتهاد ، والحجاب ورد به نص ... فمن أخذ به ام لا ... كغيره ممن يأخذ الجزء ويترك الكل.. فلماذا كل هذا " التشويش"؟؟
  • »العلمانية مدرستان متناقضتان إحداهما منفتحة والثانية متحجرة (تيسير خرما)

    الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018.
    العلمانية مدرستان متناقضتان إحداهما متحجرة كعلمانية أتاتورك وبورقيبة وبعض أوروبا لا تقبل مشاركة مؤمن بدين سماوي بسياسة وحكم ووطن بينما الثانية منفتحة كعلمانية أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا وألمانيا لا تعادي دين سماوي ولا تحظر فكره أو مشاركته بسياسة وحكم ووطن فهي أقرب لأول دولة مدنية بالعالم أنشأها محمد (ص) بالمدينة تحفظ نفس وعرض ومال وأسرة ومجتمع وعدالة. وبدولنا تجد علمانيين من الفئتين فالمنتمي لعلمانية متحجرة يود احتكار سياسة وحكم ووطن ولو لم تنتخبه أكثرية فيتكبرعلى أغلبية منتمية لدين سماوي.