المساواة للجميع؟

تم نشره في الجمعة 17 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

روجر أ. فارمر*

لندن - في الشهر الماضي، دُعيتُ للتحدث في مهرجان يورك للأفكار، وهو منتدى سنوي لمناقشة الأهداف السياسية التقدمية البديلة في الغالب. وتحدثتُ عن عملي بشأن تثبيت أسعار الأصول. وتحدثَ أندي وود عن شركة الاستشارات، غرانت ثورنتون، حول الشمولية في مجال الأعمال، وناقش نيل ماكينروي، من مركز الاستراتيجيات المحلية والاقتصادية، مسألة التنظيم المحلي، وأخبَرنا أندر إتكسبريا، من مؤسسة موندراغون، عن التعاونيات المملوكة للموظفين في بلاد الباسك. لكن الأهم من ذلك هو أن واندا ويبورسكا، وهي من اتحاد المساواة، قدمت مداخلة مدهشة حول مبدأ "المساواة للجميع".
قلة من اليسار أو اليمين في الوقت الحاضر ستدعو بنشاط إلى اللامساواة للجميع. وبدلاً من ذلك، يوجد انقسام بين المحافظين الذين يشجعون المساواة في الفرص والتقدميين الذين يشجعون المساواة في النتائج. والفارق مهم جداً. ولكن، أياً كان تعريفنا للمساواة، فإن السؤال الأكبر هو ما هي الوسيلة الأفضل لتحقيقها.
بعد الحرب العالمية الثانية، تبنى العالم نظام بريتون وودز؛ حيث حافظت الدول على أسعار صرف ثابتة مقابل الدولار، وكان رأس المال غير متحرك إلى حد كبير على المستوى الدولي. وعندما كان السياح يسافرون من المملكة المتحدة إلى فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا، فإنهم كانوا يواجهون قيوداً على عدد الفرنكات أو الليري أو الأشياء البسيطة التي يمكنهم شراؤها. وكان الاستثمار الدولي مقيداً بنظام الضوابط الرأسمالية.
مع انهيار نظام بريتون وودز في العام 1971، شرع العالم في مغامرة جديدة جريئة في العولمة. وكانت النتيجة انخفاضاً كبيراً في عدم المساواة العالمية؛ حيث تدفقت رؤوس الأموال إلى أماكن شكلت فيها مستويات الأجور جزءاً ضئيلاً من نظيرتها في الديمقراطيات الغربية. وتتنبأ النظرية الاقتصادية بأنه عندما ينخرط بلدان في التجارة، فسوف يستفيد كلاهما بشكل أفضل. لكنها لا تخبرنا أن كل سكان هاتين الدولتين سيكونون أفضل حالاً. بل على العكس، حيث تتنبأ النظرية الاقتصادية بأن العولمة ستخلق رابحين وخاسرين، وقد أكدت عقود من الخبرة ذلك.
كان تحرير أسواق رأس المال الدولية جيداً بشكل لا لبس فيه بالنسبة لنحو 80 مليون عامل صيني من دون مهارات. وقد استفاد منه أيضاً الغربيون الذين يستمدون دخلهم في المقام الأول من تأجير رأسمالهم البدني والفكري لمن يدفع أعلى سعر. أما بالنسبة إلى الغربيين الذين يشكل مصدر دخلهم الأساسي بيع العمالة غير الماهرة إلى السوق، فقد تزامن عهد العولمة مع عقود من الركود في الأجور.
على الرغم من أن الدولة القومية ليست مؤسسة مثالية، إلا أنها زودت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الغربية بالأدوات اللازمة لتحسين الظروف المعيشية لمواطنيها. وتقدم الديمقراطيات الغربية دائماً معاشات تقاعدية ورعاية صحية لمواطنيها. والقوانين التي تحكم ظروف العمل، وتحظر عمل الأطفال، وتوفر التعليم المجاني، وتمنح حق الاقتراع العام لجميع الرجال والنساء البالغين، لم تأت صدفة، وإنما جاءت نتيجة لحركات الإصلاح ونتيجة للصراع السياسي -الذي اتسم في كثير من الأحيان بالعنف- على مدار 200 عام.
أدى تحرير القيود على رأس المال في مرحلة ما بعد بريتون وودز، في غياب الحماية  للعمال، إلى نتائج يمكن التنبؤ بها. وقد فقدت النقابات العمالية التي طالما كانت تحمي حقوق العمال في الدول الغربية قدرتها على التفاوض، وكذلك القدرة على التفاوض من أجل ظروف عمل أكثر إنسانية وأجور أعلى داخل الوطن.
عندما يروج صانعو الرأي في الديمقراطيات الغربية للحركة الدولية الحرة لرأس المال، يمكن للمرء أن يقول إنهم يتقدمون بقضية المساواة العالمية عن طريق رفع أجور العمال في البلدان النامية. ولكن، سوف تستفيد النخبة الغربية بطبيعة الحال من الرواتب المرتفعة والأرباح المتزايدة عندما يتدفق رأس المال الفكري والمادي إلى البلدان ذات الأجور المنخفضة التي تتمتع بأضعف حماية للعمال. وعندما يروجون للعولمة، فإنهم لا يفكرون عموماً في رفاهية العمال الصينيين غير المهرة بقدر ما يفكرون في مصلحتهم الخاصة. وإذا استفاد الغربيون من الهواتف المحمولة صينية الصنع والإلكترونيات الاستهلاكية والسيارات كورية الصنع الأقل تكلفة، فإن ذلك يكون أفضل بكثير.
ولكن، في الوقت الذي قلصت فيه العولمة الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، فقد اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل الديمقراطيات الغربية بسبب النمو الضعيف للدخل المتوسط. ويختلف الاقتصاديون حول أسباب هذه الفجوة. ومن المحتمل أن يكون جزء منها بسبب التقنيات الجديدة التي تحل على نحو متزايد محل العمال الذين يقومون بمهام متكررة. غير أن البحث الذي أجراه ديفيد هـ. أوتور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وآخرون وجد أن جزءاً كبيراً من الفجوة بين دخل الفقراء والأغنياء يعكس منافسة الصين الشرسة.
يمثل هذا الاستنتاج معضلة لأولئك الذين يسعون إلى تعزيز المساواة للجميع. فليس العالم ككل ديمقراطية ومن غير المحتمل أن يصبح كذلك في المستقبل المنظور. وإذا استمر السياسيون في الديمقراطيات الغربية في الترويج للسياسات التي تُلغي حدود الدولة القومية، فإنهم سيفقدون مناصبهم بعد أن تصوت ضدهم في الانتخابات الطبقة العاملة والطبقة الوسطى اللتان تتنافسان مباشرة مع العمال ذوي المهارات المتدنية في العالم النامي. ولا شك أن المساواة للجميع هي هدف مثير للإعجاب. لكن علينا، في سعينا لتحقيق هذا الهدف، أن لا نخاطر بمكاسب المساواة المحلية التي حققناها بعد قرنين من التقدم الاجتماعي.

*أستاذ الاقتصاد في جامعة وورويك، ومدير البحث في المعهد الوطني للاقتصاد والبحوث الاجتماعية. مؤلف "الازدهار للجميع: كيف نمنع الأزمة الاقتصادية".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق