جهاد المنسي

يحدث في الأردن

تم نشره في الأحد 19 آب / أغسطس 2018. 11:05 مـساءً

أجزم أن المرحلة الحالية التي نمر بها ربما تعد من أدق المراحل سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو الفكري أو التنويري، وأجزم أيضا أننا بتنا نشهد "مراجدات" مؤسفة لا تمت للرأي والرأي الآخر بصلة، وإنما تعبر عن أفكار سلفية تقطر تصلبا، وقد سمحت لنا مواقع التواصل الاجتماعي برؤية ومعاينة وجهات نظر عالية الخطورة على المجتمع بشكل عام وعلى الأجيال الناشئة بشكل خاص.
أجزم أيضا، أن تطور الحوارات التي تنشأ عبر المتصفح الأزرق (فيسبوك) في الكثير من الأوقات مقلقة وتعبر عن مآلات مجتمعية خطرة، علينا كدولة رصدها، والتنبه لها، ومراقبتها بشكل حقيقي، وإعمال الفكر والعقل بالتعامل معها بعيدا عن منطق الفزعة والتخبط والعنترية التي لا تفيد.
فلو تتبعنا أي منشور يتحدث ناقدا الفكر السلفي المتشدد، ومستحضرا أصول هذا الفكر وأساتذته وتلاميذه، فسنجد طوفانا من الغضب المنتصر لأولئك الأساتذة، وسنلمس دفاعا مستميتا عنهم، وكأن كاتب المنشور قد تعرض -لا قدر الله- لأحد الأنبياء أو شكك في الأديان، فيتم إضفاء قداسة على أولئك الأشخاص منعا لنقدهم، ونقد توجهاتهم؟!، فيصبح من ينتقدهم وكأنه كفر وأشرك، وكأن الدين يبدأ بهم وينتهي عندهم.
الأمر جد خطير ويؤسس لحالة مجتمعية تعبر عن ضياع فكري، وتعطي انطباعا سلبيا حول سيادة فكر سلفي متطرف على سواد خطابنا تحت عباءة الدين وعدم جواز نقد هذا أو التعرض لذاك، وهذا جعل سواد من يمتلكون فكرا مخالفا ورؤية نقيضة يبتعدون عن الدخول في تلك المساجلات أو التعليق عليها خوفا من اتهامهم بالكفر والإلحاد والزندقة (بالمناسبة العالم والفيلسوف ابن رشد اتهم بالزندقة والإلحاد، وحرقت كتبه لأنه سمح لنفسه بالخلاف مع بعض المفكرين).
الثابت حتى اليوم أن البعض يرفضون التفكير بمنطق العقل، أو نقد بعض من سبقونا بمئات السنين باعتبارهم أئمة لا يجوز الكلام عنهم، متناسين أن الإمام أبو حنيفة النعمان قد قال يوما لتلامذته "ما جاءَ عن اللهِ تعالى فعلى الرأسِ والعينين، وما جاءَ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم فسمعاً وطاعةً، وما جاءَ عن الصحابةِ رضي الله عنهم تخيرنا من أقوالهم، ولم نخرجْ عنهم، وما جاءَ عن التابعين فهُمْ رجالٌ ونحنُ رجالٌ"، فإن كان أبو حنيفة يرى أن كلام التابعين يحتمل الصواب والخطأ ولا يجوز التعامل مع كلامهم كما يتم التعامل مع كلام الرسول الكريم، فما بالنا اليوم نريد أن يصبح كلام من سبقونا بـ100 أو 500 عام وكأنه كلام منزل من رب العالمين لا يجوز نقده!، وما بالنا بات منطلقنا الفزعة والتكفير والتحريف، والهجوم على أي شخص واتهامه بالتعرض للدين، وكأن الدين ضعيف لا قدر الله وأولئك السطحيين هم من يحمونه، متناسين أن الإسلام كدين ساد باعتباره وسطيا يؤمن بالآخر، وقد أسهم بعض من حرف التفسيرات وأخرجها على أهدافها بتشويه الكثير من المنطلقات الأخلاقية للدين.
أذكر مثلا أنني بصغري؛ أي بنهايات السبيعينيات وبداية الثمانينيات، كنت أستمع لخطبة الجمعة من خطيب مسجد الوحدات الكبير، وما أزال أستذكر دعاء الخطيب بنصرة "المجاهدين" بأفعانستان، وهزيمة الشيوعيين والاتحاد السوفييتي، ولا أذكر أن الخطيب عينه دعا لنصرة المقاومة ببيروت التي كانت تتعرض لاجتياح صهيوني العام 1982، أو لنصرة الأهل بفلسطين الذين يعانون من نير احتلال فاشي.
وقت ذاك كنت طفلا، ومن كثرة ما كان يذكر الخطيب الشيوعيين ويدعو عليهم ويتمنى حرقهم بالنار استفزني للبحث لمعرفة من هم أولئك (الملحدون) الذين يقلقون راحة خطيبنا ويضطرونه للدعاء عليهم، ومن هم أولئك "المجاهدون" بأفعانستان الذين يتم حشد الشباب للتطوع والالتحاق بهم. كنت أعتقد أن أولئك هدفهم تحرير فلسطين؛ ولاحقا عرفت أن أولئك من كانوا يسمون أنفسهم مجاهدين هم أنفسهم تنظيم القاعدة الذي سرق أفراح عمان ولاحقا داعش والنصرة اللذان شوها الدين وأسهما بقتل آلاف الناس الأبرياء، ترى من أي منهل فكري كانت تنهل القاعدة ومن هم منظروها؟!

التعليق