موفق ملكاوي

القراءة بين الاستسهال والتخطيط والاختيار

تم نشره في الاثنين 20 آب / أغسطس 2018. 11:04 مـساءً

مع انفجار عصر الرقمنة، بات لدينا الكثير من المحتوى، وأحيانا فوق حاجتنا اليومية؛ إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستطيع مواكبة ما يصلنا يوميا من مواد عبر تطبيقات ومواقع مختلفة، جميعها تفرض علينا نوعا من "المعرفة"، وتطالبنا بقراءتها.
أخبار سياسية واقتصادية، ومعلومات عامة، ونصائح صحية، وأبراج، وأدعية، ونصائح في التربية والتعامل مع الأبناء، ونكات، ومقالات تتدرج من الجادة إلى الحماسية إلى ما دون ذلك من "خواطر" أحب أصحابها التجريب في مهنة الكتابة.
القائمة تطول كثيرا بما لا يمكن حصره. وكل هذا نوثقه في خانة المعرفة، حتى أننا نخوض جدالاتنا ونقاشاتنا اليومية بناء على ما قرأناه، وهناك كثيرون يكوّنون أفكارهم الخاصة، وربما، قناعاتهم بناء على ما يقرؤونه من هذه "المعرفة السهلة" التي تغرقنا بها قنوات التواصل الاجتماعي، وبعض المواقع الإخبارية؛ الصحفية والتثقيفية.
باختصار؛ السرعة أصبحت سمة طاغية لكل ما يحيط بنا، لذلك نضطر في كثير من الأحيان إلى أن نسير مع التيار، لنطلب المعرفة السريعة التي لا تحتاج إلى جهد كبير في التفتيش عنها وتفنيدها.
عاش جيلي في فترتين مختلفتين، لذلك نستطيع التفريق، بشكل مبدئي، بين القراءة قبل عقدين أو ثلاثة، مثلا، وبين ما هو قائم اليوم. في السابق، كانت القراءة تأتي من تخطيط مسبق يحدد فيها الفرد حاجاته وأولوياته، ويعتمد على الكتاب في البحث عن تلك المعروفة أو المعلومات التي يحتاجها. كان البحث عن معلومة معينة يحتاج منه العودة إلى كتب ومراجع للتوثق من تلك المعلومة، وكان الكتاب أساسيا وجوهريا في عملية القراءة بصفته المصدر الوحيد لها.
اليوم تعددت طرق الحصول على المعلومة مع شيوع الكتابة الإلكترونية وعصر الصورة والفيديو، لذلك أصبح الحصول عليها أكثر سهولة ويسرا من ذي قبل، ففي الوقت الذي تجلس فيه بغرفة النوم سيصلك كم هائل من المعلومات، كما بإمكانك البحث عن أي شيء تريده على هاتفك الخلوي من غير أن تغادر مكانك، بدلا من الذهاب إلى إحدى المكتبات العامة، كما كان عليه الأمر في السابق.
المعضلة الأساسية التي خلقها نمط "التلقي" هذا، هو انسياق غالبية الأشخاص له، واعتباره النمط الوحيد الصالح لهم، لذلك تم إهمال الكتاب وهجر المكتبات العامة، باستثناء شريحة الطلبة الذين ما يزالون محتاجين للمكتبة.
وهناك معضلة أخرى أشد خطورة، وهي الكم الهائل من الأخبار الكاذبة، والمعلومات المغلوطة والبيانات التي يتم تلفيقها من دون أدنى مراعاة للمصداقية. كل ذلك يصل بسهولة ويسر إلى هواتفنا، ونختزنه نحن كحقائق دامغة لا غبار عليها.
المعرفة الأصيلة التي يدافع عنها الخبراء، هي المعرفة التي تتأتى من خلال خطوات واعية بالاختيار وآلياته، وبالتخطيط المسبق للقراءة ونوعيتها، وانتخاب أفضل المصادر لتلك المعرفة، سواء كانت تلك المعرفة لـ"الاستهلاك اليومي"، كالأخبار، أو تلك الأنواع التي تدوم وتؤثر في بناء الشخصية والثقافة العامة للفرد. ومن دون ذلك، فسيظل استسهال الحصول على المعلومة من خلال تدفقها على مدار الساعة عبر قنوات غير مضمونة، يلقي بظلال قاتمة على ثقافة المجتمع ونضجه وتقدمه، ويحول أفراده إلى سطحيين لا يمتلكون أي عمق حقيقي، ولا أي فكر ناقد.

التعليق