تهديد "الثمن العالي" لترامب هو رصاصة تحذير لإسرائيل

تم نشره في الأحد 26 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

حيمي شليف

25/8/2018

الولايات المتحدة هاجت، وإسرائيل اهتزت في هذا الأسبوع، بسبب دونالد ترامب لأسباب مختلفة تماما. العاصفة التي اجتاحت الولايات المتحدة تركزت حول ادانة مدير أمن ترامب السابق بول مونفورد، واعتراف محاميه مايكل كوهين بالتهم الموجهة اليه، وحول الحديث مجددا عن احتمال تنحية ترامب. القلق في إسرائيل لم يكن يرتبط بكل هذا. لقد نبع من عدة جمل قالها ترامب ربما لحرف الأنظار، وذلك في اجتماع انتخابي في غرب فرجينيا الذي لم يكن مرتبطا كما يبدو بمشاكله المتزايدة.
فقد قال ترامب، إن إسرائيل ستضطر إلى دفع "ثمن باهظ جدا"، مقابل قراره الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية اليها. واشار ترامب بلسانه الطفولي الآن دور الفلسطينيين "للحصول على شيء ما جيد". كلهم يقولون ان اتفاقا بين الطرفين غير ممكن، لكننا سننتظر ونرى. "سيكون الامر مثيرا للاهتمام".
أقوال ترامب حلت على إسرائيل كعاصفة في يوم صاف. الإسرائيليون اعتادوا على التأكيد بأنهم الابن العزيز على البيت الأبيض، والفلسطينيون مبعدون بسبب اليأس. الدعم الكامل لترامب، اعتقد الكثيرون، هو محبة مجانية بدون ثمن من جانبهم. بالتأكيد ليس ثمنا باهظا. فجأة تبين أن ليس فقط أنه ستكون مطالب لترامب، بل هذه المطالب من شأنها أن تكون جدية ومؤلمة. الايقاظ من الحلم كان مفاجئا وقاسيا.
موظفون أميركيون الذين فوجئوا من أن شخصا ما يأخذ على محمل الجد اقوال الرئيس، بدأوا فورا بفحص الاضرار. مستشار الامن القومي جون بولتون الذي كان في زيارة لإسرائيل تجاهل الاقوال الصريحة لترامب، وقال إنه لا يوجد تغيير في موقفه: الرئيس لا يطالب إسرائيل بشيء مقابل شيء، مقابل نقل السفارة. وقد اقتبس موقع اكسيوس موظفون في الادارة موضحين، بطريقة تلمودية ان تعديل "ثمن عال جدا" للرئيس ترامب هو مفهوم نسبي فقط، والحديث لا يدور حقا عن "ثمن عال" من ناحية موضوعية. المتحدثة باسم البيض الابيض سارة هاكبي ساندرز تجاهلت بطريقتها غير المهذبة، الأسئلة، ورفضت تسوية التناقض بين اقوال الرئيس وتوضيحات مساعده.
بهذا الشكل فإن الخيول في إسرائيل هربت من الاسطبل. المستوطنون بدأوا في الاستعداد لصراع مع رئيس أميركي محبوب، الذي تحول فعليا إلى من يغرس سكينا في ظهر دولة اليهود. المتحدثون باسم الإدارة الأميركية، محرجون وأطلقوا صافرات تهدئة، وتعهدوا بأن ترامب ما يزال الصديق رقم واحد وتمتموا بعبارة ان كل شيء سيكون على ما يرام، على أمل ان يقنعوا على الأقل انفسهم. وأخطر من ذلك من ناحية نتنياهو فإنه في اليسار سيكون هناك فائدة مزدوجة، سواء من امكانية أن يضغط ترامب على إسرائيل في ان تسير نحو الفلسطينيين وكذلك من أن استخذاءه أمام ترامب انفجر في وجهه كما يبدو.
إن التدقيق في أقوال الرئيس كان يجب أن يرفع منسوب اهميتها إلى درجة تاريخية. اولا، ترامب اهتم بالتأكيد بانه اتخذ قرار نقل السفارة خلافا لرأي زعماء العالم الذين اتصلوا معه، دون توقف، في محاولة لثنيه عن هذا القرار، إلى درجة انه توقف عن الرد على الاتصالات. ليس فقط الفلسطينيون دفعوا الثمن، أشار الرئيس، بل أيضا الولايات المتحدة، رئيسها ومكانتها الدولية.
العامل المقلق أكثر في اقوال ترامب، وليس فقط من ناحية إسرائيل، هو ادعاؤه المرفوض تماما بأن نقل السفارة الأميركية ازال فعليا موضوع القدس عن طاولة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. ويظهر أن ترامب يعتقد انه ليس فقط اعترف بسيطرة إسرائيل على القدس، بل منح المدينة فعليا كهدية.
هذه ليست المرة الأولى التي يطلق فيها ترامب هذا الادعاء الهذياني. تصعب معرفة من أين استقاه: ربما لم يفهم توجيهات موظفيه، ربما أن شلدون ادلسون همس بذلك في اذنه، ربما انه يعتقد حقا وبسذاجة ان كلماته تكفي من اجل تغيير الواقع بشكل نهائي، ربما انه اخذ بصورة جدية الاوصاف الحماسية لمستوطنين شاكرين، والمقارنات بينه وبين كورش منقذ اليهود والقدس، وربما انه استوعب اقوال نتنياهو التي بحسبها هو الصديق الأكبر لإسرائيل، طوال تاريخ الإنسانية، ولم يعمل أحد معروف معها مثله.
مهما كان الأمر، إذا كان ترامب يعتقد انه اعطى مفاتيح المدينة الأبدية لنتنياهو واليهود، وازاح مطالب الفلسطينيين بها، فإنه بالتأكيد يمكنه ان يطلب من إسرائيل "ثمنا باهظا جدا". مقابل القدس الذهبية، المدينة المقدسة والجميلة، التي تتطلع اليها عيون الاجيال المتواصلة من اليهود فمن المعقول ان ترامب سيعتقد انه يمكنه ان يطالب بنصف المملكة اذا لم يكن اكثر.
ولا يهم اذا كان الواقع فعليا عكس ذلك تماما. إسرائيل والفلسطينيون لم ينجحوا حقا في الماضي في التوصل إلى اتفاق حول مستقبل القدس، ولكن فقط في عصر ترامب وكنتيجة مباشرة لقراراته، فقد تحولت المدينة إلى عقبة لا يمكن تجاوزها، ليس فقط أمام اتفاق سلام بل لمجرد عقد محادثات سياسية. اقوال ترامب في غرب فرجينيا عقدت الوضع أكثر، ويتضح منها ان ترامب يعتقد ان الفلسطينيين سيوافقون على نسيان كامل لقدس اقداسهم مقابل "شيء ما جيد"، الذي سينجح في الحصول عليه من نتنياهو. الزعيم الفلسطيني الذي سيوافق على صفقة تبادل كهذه لم يولد بعد، ولا حتى زعيم عربي الذي سيوافق عليها اذا كان يريد البقاء على قيد الحياة.
الرئيس ترامب هو بطل العالم بالاوهام، انصاف الحقائق والاكاذيب الكاملة. هو يقول ما يخطر بباله ومتى يخطر بباله، وإذا أراد سيدعي غدا عكس ذلك تماما. أيضا توقيت تصريح ترامب ليس حكيما، إلا إذا كان قد تشوشت افكاره، وهو احتمال يجب عدم استبعاده في يوم ما. في الوقت الذي يعلق فيه ترامب بضائقة سياسية واعلامية غير مسبوقة، حيث خصومه واعداءه يحاصرون البيت الابيض ويطالبون تحويل ادانة منفورد وخيانة كوهين إلى فؤوس ستقطع رأسه، فإن ترامب بحاجة إلى معقل دعمه وإلى القاعدة المخلصة اكثر من أي وقت مضى. بدونها لا يستطيع ردع الجمهوريين الذين توصل العديد منهم هذا الاسبوع إلى استنتاج بأن الرئيس قد بلغ السيل الزبى لديه، ويجب الاصغاء اخيرا إلى صوت ضميرهم والخروج ضده.
هناك عنصر حيوي في قاعدة ترامب وهم الافنغلستيين المؤمنين، والذين ينكرون عيوبه وافعاله ويتبعونه بالنار والماء. لن يكون لديهم أية مشكلة في تجاهل المخالفات الخطيرة لقانون تمويل الانتخابات. وهم أيضا سيستوعبون تنسيقا ممنوعا بينه وبين الكرملين، اذا كان المحقق الخاص روبرت مولر سيثبت ان هذا ما حدث. ولكن مواجهة مع إسرائيل اساس وجودها؟ تصادم مع نتنياهو رسولهم الالهي؟ بالنسبة لمؤيديه المسيحيين لنتنياهو الذين يتوقعون من إسرائيل القيام بدورها في تقريب يوم الدين وآخر الزمان فإن هذا سيكون جسر بعيد جدا.
ولكن حتى لو لم يكن ترامب يقصد كما يقول مبعوثوه، وحتى لو كانت مطالبته بـ "ثمن عال جدا" قد تبددت فورا عند خروجها من فمه، فإن اقواله في غرب فرجينيا يجب أن تدوي كطلقة تحذير، مقدمة محتملة لمستقبل مهدد. هي توضح ان ترامب مستعد للانقلاب على إسرائيل في طرفة عين وان يطالبها بتنازلات مقابل الانجازات، التي هي أيضا من ثمار خياله، وحتى ممكن ان يضربها اذا تمردت عليه. وكأنها حليفة متدنية مثل كندا أو المانيا او بريطانيا التي ينكل بها ترامب بلذة شديدة. هكذا هو يتصرف مع سلسلة طويلة من المخلصين السابقين، السياسيين والمستشارين والمحامين، الذين ضربهم في اللحظة التي تجرأوا فيها على الوقوف ضده.
هذا الحدث يكشف الخطأ المميت الذي ارتكبه نتنياهو، عندما وضع كل بيض إسرائيل في سلة الرئيس الأميركي الجاهل والعصبي والمتقلب والمكروه. نتنياهو أبقى إسرائيل عارية وغير قادرة على الدفاع عن نفسها. لقد قام بدور نشط في تعزيز مكانة ترامب في الحزب الجمهوري الذي تحول إلى خاتم للتوقيع على كل افعال واخطاء الرئيس. في حالة مواجهة مع إسرائيل فإن نتنياهو لا يستطيع الاعتماد على دعمهم. في احسن الحالات الجمهوريون سينقسمون بين اغلبية تسير خلفه وبين اقلية ضد سياساته.
في حالات مشابهة في الماضي فإن إسرائيل كانت تستطيع على الاقل الاستناد إلى دعم حزب المعارضة، لكن نتنياهو حرق جسوره مع الديمقراطيين وترك خلفه ارضا محروقة. عن خطأ عدائه لبراك اوباما وتحديه المكشوف له، في خطابه في الكونغرس ضد الاتفاق النووي مع إيران، أضاف نتنياهو جريمة الاستخذاء منفلت العقال للرئيس، الذي يمقته الديمقراطيون من أعماق قلوبهم. الاستطلاع الذي نشره هذا الأسبوع معهد غالوب، هو المعتبر كتحذير واضح: 17 في المائة من المصوتين الديمقراطيين أيدوا نتنياهو مقابل 60 في المائة من الجمهوريين. في هذا الوضع فإن سياسيين ديمقراطيين سيهبون لمساعدة رئيس حكومة إسرائيل، سيعرضون انفسهم للخطر.
حكومة عاقلة كانت الآن ستقوم باعادة تقدير جديدة بخصوص مقاربتها المطلوبة. كان عليها أن تقف على بعد معقول من ترامب وتقوم بخطوات طوارئ لتحسين علاقاتها مع خصومه. احتمالية نجاح ديمقراطي كبير في تشرين الثاني سينقل إلى ايدي الحزب على الاقل مجلس النواب كانت ستعتبر فجأة عملية مطلوبة من شانها ان تقيد الرئيس أيضا في سياسته تجاه إسرائيل. أيضا سيناريو ان يتم عزل ترامب كان سيتحول إلى امر جذاب. ترامب حقا قال أمس بوقاحته غير المسبوقة، ان عزله سيؤدي إلى فوضى وانهيار اقتصادي وفقر جماعي. ولكن إسرائيل ستحصل على رئيس جديد اسمه مايك فينس. خلافا لترامب الذي هو فقط مخلص لنفسه فإن فينس هو مسيحاني اصيل ومؤيد لإسرائيل.
ولكن نتنياهو غارق أكثر من اللازم في ترامب إلى درجة لا يمكنه فيها الانسحاب. لقد راهن على كل الصندوق. ان تماهيه مع الرئيس الأميركي هو تماهي تام. في خريطة القيادة العادية فإن ترامب ونتنياهو هما زوجان محبان. هل سيذهبان معا. مواجهة نتنياهو مع اوباما التي تحولت إلى صداقة مدهشة مع ترامب هي ورقة رابحة بالنسبة له في شعبيته، دليل على الوعي السياسي لرئيس الحكومة ونظرته بعيدة المدى. اذا تبين ان ترامب مثل سلفه جندي مقنع كما سيدعون في اليمين فإن نتنياهو سيجد صعوبة في أن ينهض من هذه الضربة. لذلك ليس لديه خيار سوى ان يظل إلى جانب ترامب وان يتمسك بأهداب بدلته الكبيرة جدا وربطة عنقه الطويلة جدا. وان يصلي ألا تنتهي سفرته في قطار الجبال والشياطين لترامب بتحطم مدو.

التعليق