د.باسم الطويسي

تأخرنا عن الموعد.. وكفى!

تم نشره في الأحد 26 آب / أغسطس 2018. 12:06 صباحاً

منذ أكثر من عام، يتواصل كل يوم تدفق الأخبار والتسريبات حول ما يسمى "صفقة القرن الأميركية" لتسوية الصراع التاريخي في الشرق الأوسط؛ حيث وصل الى يقين شعوب المنطقة وفي مقدمتهم الفلسطينيون، أن ما يجري الحديث عنه ليس أكثر من تصفية تاريخية ونهائية للقضية الفلسطينية، بينما تبدو الإجراءات الفعلية لوصول "الصفقة" لهدفها تنفذ حاليا على الأرض ضمن سلسلة من القرارات والتطورات، أبرزها ما نال مسألة القدس من نقل السفارة الأميركية الى إزاحتها عن طاولة المفاوضات، كما أعلن الرئيس الأميركي قبل أيام وصولا الى حصار الأونروا ومسألة تصفية الحضور السياسي والاجتماعي لقضية اللاجئين الفلسطينيين ثم وقف الولايات المتحدة المساعدات الأميركية التي كان من المفترض أن تقدم للسلطة الفلسطينية لتنفيذ برامج اقتصادية واجتماعية في الضفة وقطاع غزة.
كل هذه التطورات السريعة، تجعل المراقب يصل الى استنتاج واقعي مفاده أن عملية التصفية تتم بالفعل وأن تأجيل ما يسمى الإعلان عن الصفقة ما هو إلا جانب من البرنامج الدعائي والإعلامي الذي يمهد للتكيف الإقليمي والدولي مع هذا الحدث. تبدو المسألة ليست مجرد ابتزاز سياسي للقبول بصفقة شكلية، فالجميع سيذهب في نهاية اليوم للتعامل مع حقائق على الأرض، إن أكثر ما كانت تخشاه الإدارات الأميركية وإسرائيل في العقود السابقة، ليس النخب السياسية العربية الحاكمة ولا التحالفات الدولية ولا تناقض المصالح، بل الرأي العام العربي والإسلامي؛ أي الشعوب والجماهير العربية، فلقد كانت أعقد السيناريوهات صعوبة للتوقع تدور حول ردود أفعال الشعوب والجماهير في 59 دولة تشكل ربع سكان العالم، تشير الوثائق الحديثة إلى أن قرار غزو العراق كان مطروحا في السابق ومنذ نهاية التسعينيات، ولكن التوصية بالخشية من ردود فعل الرأي العام العربي أدت الى تأجيله، والعارفون بهذا الشأن يعلمون حجم العمل الدعائي والإعلامي الذي مورس على مدى سنوات للتمهيد للغزو.
اليوم، يبدو أن قراءة الرأي العام العربي والإسلامي باتت مختلفة تماما، فالشعوب التي كانت تهزها جراح الأقصى وأحوال القدس وكانت تقف على رؤوس أصابعها ليلة غزو بيروت، تم تطبيعها على مدى عقدين من الاحتلالات والاستباحة والقتل المجاني والفتن والحروب الأهلية والطائفية، لقد تم اللعب في الجينات السياسية والعاطفية لشعوب المنطقة؛ حتى وصلت الى حالة من اللامبالاة واليأس والخوف من المستقبل، والاسترخاء والتطبيع مع كل ما لم نكن نتوقعه.
إن الرغبة المكبوتة والمعلنة في الانسحاب والاسترخاء في مواجهة الخارج التي تجتاح المجتمعات العربية، مصدرها الحقيقي يكمن في علاقات الداخل بالداخل، قبل علاقات الداخل بالخارج ومنها أشكال تفريغ العنف الذي يمارس منذ أجيال في الداخل في العلاقات المستبدة الظالمة، والمستندة إلى عدم الرغبة في الدخول نحو معترك التغيير الحقيقي، بدأت هذه الحالة وازدهرت، حينما تعاظم شعور الفرد بافتقاد حقه في الوطن؛ حيث يتصرف المسؤولون ورموز السلطات وكأن البلاد والأوطان امتداد لذواتهم. فقد قاد هذا الواقع إلى الانسحاب التدريجي واللامبالاة وانهيار الثقة بكل شيء، ما جعل الاستباحة من الخارج ممكنة وأحيانا مرغوبة ومطلوبة.
شهدت المنطقة دورات تاريخية من الانزياح والاستباحة والتقهقر مقابل موجات من القوة والتقدم والازدهار، ويبدو أن الدورة التاريخية الأولى الممتدة منذ خمسة قرون ما تزال تعيد إنتاج نفسها، كان لدينا موعد مع تغيير قواعد العملية التاريخية في 2011 لكن بعد سنوات اكتشفنا أننا تأخرنا على الموعد، حينها اختطف كل شيء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تأخرنا عن الموعد وكفى ؟؟؟؟؟ (يوسف صافي)

    الأحد 26 آب / أغسطس 2018.
    شرحت واسهبت وأجدت تحليلا ووصفا لحالنا ومايدور حولنا في المنطقه أستاذ باسم وان جاز لنا التعليق توضيحا وبالخصوص حول مآل المكون الداخلي ومصدره الحقيقي يكمن في العلاقات الداخل بالداخل ؟؟والسؤال المشروع كيف لنا ان نخاطب بلغة الجمع وسايكس بيكو هي التي رسمت وفتت المكون الداخلي واوجدت الحواجز ناهيك عن زرع النبته السرطانيه في قلب الوطن العربي حتى باتت غب الطلب لمن زرعها كقاعدة متقدمه ولوجا الى أهدافه الدفينه بديمومة السيطره على المنطقه والتحكم قرارا وثروات ؟؟دون ان ننسى من تبعهم من بني جلدتنا ؟؟؟؟ وهذا من باب ان لانزيد الإحباط إحباطا ؟؟ طفرات الشعوب أشبه بزلزال لاأحد قادر على تحديد قوته وتوقيته كما عديد ارتدادته وسرعة ووجهة رياح تسوناميه ؟؟ ماينقصنا الصحوة ؟؟؟؟ وتشكيل مجلس سلامه لمثل تلك الطفرات للحفاظ على وجهة بوصلتها من الإنحراف ؟؟؟ وبكل أسف لم تقف نخبنا وآحزابنا ومثقفينا وإعلاميينا كما حكوماتنا ولم تضع على جدول اعمالها لتشكيل مجلس سلامه وطني للحفاظ على وجهة بوصلة الطفرات التي لم تتوقف وان تباعدت الفترات (الطفرة الحاليه كما الطفرة في الخمسنات الحقبه الناصريه وغيرها)؟؟؟ حيث عجزت الأحزاب المؤطره لاوبل زادت الطينه بلّه من خلال اشغالها الساحه بسياسة راس روس كل وأحد بدوا على راسه ريشه؟؟؟؟؟؟؟ "ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم "
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الأحد 26 آب / أغسطس 2018.
    نعم... هذا هو المحور: تغيير الجينات السياسيه والقيم الاجتماعيه والمفاهيم الدينيه ومرتكزات التعليم وبتر التاريخ والتراث... اهداف لخلق جيل " غير مكترث نهائياً ومعزول تماما"... وشكرا