أبو مازن المشبوه الفوري

تم نشره في الاثنين 27 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الفلسطيني محمود عباس.-( ا ف ب )

معاريف

يوسي ملمان  26/8/2018

لإسرائيل يوجد كبش فداء جديد- قديم لاتهامه بالوضع الهش على حدود غزة: أبو مازن. فالحكومة تلقي بالمسؤولية عن الفشل في الاتصالات لاتفاق التهدئة مع حماس على السلطة الفلسطينية وعلى رئيسها، ولكن هذا ذر للرماد في العيون من جانب مؤيدي الاتفاق، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وزير الأمن افيغدور ليبرمان ومعظم وزراء الطاقم الوزاري للشؤون العسكرية والسياسية "الكابينيت" (باستثناء وزير التعليم نفتالي بيتين الذي يعارض الاتفاق).

حكومة إسرائيل مسؤولة بقدر لا يقل عن حفر الاتفاق. فالهدوء النسبي، الذي يتباهى به ليبرمان، مضلل. فمن الأحاديث التي يجريها كبار المسؤولين في جهاز الأمن، مع رئيس المخابرات المصرية الجنرال كامل عباس، الذي زار قبل نحو أسبوع إسرائيل والسلطة الفلسطينية، تتضح صورة أخرى يخفون تفاصيلها عن الجمهور. ففي الاتصالات مع مصر يشارك رئيس المخابرات العامة، "الشاباك"، نداف ارغمان، رئيس قيادة الأمن القومي مئير بن شبات، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء تمير هايمن، رئيس الموساد يوسي كوهين وآخرون. 

في محادثاته تبين أن أبو مازن مستعد للبحث في امكانية عودة السلطة إلى القطاع واعادة تأهيله، ولكن شرط أن يُنزع سلاح حماس وتنقل وحداتها المسلحة إلى اشرافه. وموقف أبو مازن هو إذا كانت الضفة وغزة كيانا فلسطينيا واحدا، تحكمه حكومة واحدة، لا يمكن أن يكون له الا جيش واحد وشرطة واحدة. اما حماس فغير مستعدة لان تسلم سلاحها ومشاغلها لانتاج السلاح ومخازن السلاح إلى السلطة، بحيث أن فرص المصالحة الفلسطينية هزيلة. وبدون مثل هذه المصالحة ونقل السيطرة الكاملة اليها، فإن السلطة ترفض نقل الأموال إلى القطاع بحيث تخفف عن الضائقة المتعاظمة فيه. 

يتبين من محادثات رئيس المخابرات المصرية أيضا أن أبو مازن كان يريد استئناف المفاوضات على الاتفاق مع إسرائيل، ولكنه كف عن تصديق حكومة نتنياهو. وهو يعتقد بأنها غير معنية حقا بتقدم مسيرة السلام معه. فالبناء في المستوطنات مستمر، وفي هذا الأسبوع فقط علم بقرار بناء ألف وحدة سكن اخرى في الضفة، وهذا مجرد مثال واحد على عدم صدق إسرائيل. 

صحيح ان أبو مازن فوت قبل بضع سنوات، وليس لأول مرة، عدة فرص لخوض مفاوضات مع نتنياهو. وقد حصل هذا بعد خطاب بار ايلان في حزيران 2009، والذي اعترف فيه نتنياهو بحل الدولتين. وبضغط من إدارة أوباما وافق نتنياهو على تجميد البناء في المستوطنات لعدة أشهر، ولكن أبو مازن لم يستغل الفرصة لتحريك المحادثات. زمن باهظ الثمن ضاع هباء. اما الآن فيتمترس الطرفان في مواقفهما. والطريق مسدود. 

تعتقد إسرائيل أنه طالما كان ترامب في البيت الابيض، على الاقل لسنتين أخريين وربما ست، لا داع للإسراع، ويفضل الابقاء على الوضع الراهن. ناهيك عن انه حاليا ورغم تهديدات ابو مازن في الماضي، فإن التعاون الامني بين الشاباك والجيش الإسرائيلي وبين اجهزة امن السلطة مستمر. وفي هيئات البحوث في جهاز الأمن يقدرون أن التعاون، ذاك الذي يساعد إسرائيل ويساهم جدا في كبح الإرهاب، هو أيضا مصلحة صرفة لابو مازن وللسلطة في الصراع ضد حماس وحفظ حكمهما. 

في مثل هذا الواقع، ما الذي يجعل أبو مازن يساعد حكومة إسرائيل في ايجاد حل لمشكلة غزة. ما الذي ستعطيه له إسرائيل في المقابل؟ لا شيء. 

في الاسبوع الماضي، قال ترامب انه بعد أن نقل السفارة إلى القدس، يتعين على إسرائيل أن تدفع ثمنا أعلى كي تقدم السلام. ما كنت اوفر على نفسي أي تأثر من أن ترامب يقصد ما يقول. فمن الصعب أن نتوقع من زعيم متقلب، ليس لكلماته بل وأحيانا لأفعاله معنى كبيرا جدا، سينجح في ما فشل فيه معظم الرؤساء منذ نحو خمسين سنة لتحقيق تسوية سلمية إسرائيلية فلسطينية. 

يتبين من محادثات رئيس المخابرات المصرية بوضوح أن صورة الوضع أكثر تعقيدا مما ترويه حكومة إسرائيل للجمهور. فمصر تؤيد مبدئيا موقف ابو مازن، والطريقة التي يعرض فيها العلاقات مع إسرائيل. من جهة اخرى تريد مصر جدا ان يستقر الوضع على حدود إسرائيل – غزة وتحقيق تهدئة لعدة سنوات. ولهذا الغرض فإنها مستعدة لان تحاول العمل على تسوية بين إسرائيل وحماس حتى بدون مشاركة السلطة. اما حاليا، فإن جهود الجنرال عباس وجهود نيكولاي ملادينوف، مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الاوسط لا تحقق النجاح. 

وبالمناسبة، فإن قطر أيضا تشارك في المباحثات، ويلتقي مسؤولون من جهاز الأمن مع مندوبيها. تنفي حكومة إسرائيل أنها تجري اتصالات لتسوية سياسية مع منظمة الارهاب حماس، كما تعرف في كل بلاغات الناطق العسكري الإسرائيلي. احد لا يصدق نفيها. وهي لغرض تحقيق الاتفاق تستعين بقطر، الدولة التي اتهمتها إسرائيل غير مرة او مرتين بدعم منظمة الارهاب اياها. 

ان المساعي لتحقيق الاتفاق تذكر بمحاولة تربيع الدائرة. إسرائيل تصر على ان يتضمن اتفاق التهدئة طويل المدى إلى جانب اعمار القطاع تبادل الجثث والاسرى أيضا. اما حماس فمستعدة لذلك ولكنها تطالب بتحرير مئات المخربين، بمن فيهم اولئك الذين مع الدم على الأيدي. إسرائيل، وعن حق، غير مستعدة لذلك. ولكنها أيضا غير مستعدة لان تفصل صفقة التبادل عن باقي اجزاء الرزمة. 

هذا نهج يعطل في فرصة للتسوية، ويجعل عشرات آلاف سكان غزة رهائن لبقايا جثماني جنديين ومواطنين مضطربين نفسيا اجتازا الحدود إلى القطاع بإرادتهما. باختصار، طريق مسدود. وبغياب سياسة واستراتيجية، وباستعارة الكليشي من عالم كرة القدم تعيش دولة إسرائيل من الجمعة إلى الجمعة. 

التعليق