العالَم الذي نعيش فيه

(3) عالَم قبَلي: هوية المجموعة هي كل شيء

تم نشره في الاثنين 27 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
  • أميركيون يشاركون في تجمع مناصر للرئيس الأميركي دونالد ترامب - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

آمي تشو – (فورين أفيرز) عدد تموز (يوليو)/ آب (أغسطس) 2018

يمكن أن تصبح مرتبطة بها بقوة. وسوف يسعون إلى إفادة أعضاء مجموعتهم حتى عندما لا يكسبون أي شيء شخصي. وسوف يعاقِبون الغرباء، مجاناً وبلا مبرر على ما يبدو. وسوف يُضحَّون، بل ويَقتلون ويموتون، من أجل مجموعتهم.

ربما تبدو هذه هي الفطرة السليمة. ومع ذلك، فإن قوة القبَلية نادراً ما تؤثر في المناقشات رفيعة المستوى التي تُدار حول السياسة والشؤون الدولية، وخاصة في الولايات المتحدة. وفي السعي إلى تفسير السياسة العالمية، عادة ما يركز المحللون وصانعو السياسة الأميركيون على دور الأيديولوجيا والاقتصاد، ويميلون إلى رؤية الدول القومية على أنها أكثر وحدات التنظيم أهمية. وبفعلهم ذلك، فإنهم يقللون من شأن الدور الذي تلعبه هوية المجموعة في تشكيل السلوك البشري. كما أنهم يتغاضون أيضاً عن حقيقة أن الهويات التي تهم في بعض الأماكن أكثر ما يكون -تلك التي يضحي الناس بأرواحهم من أجلها- ليست قومية، وإنما هي عرقية، وإقليمية، ودينية، وطائفية، أو مُستندة إلى القبيلة. وقد أسهم الفشل المتكرر في فهم هذه الحقيقة في التسبب ببعض من أسوأ كوارث السياسة الخارجية الأميركية في السنوات الخمسين الماضية، والتي ظهرت أوضح ما يكون في أفغانستان والعراق -وإنما أيضاً في فيتنام.

هذا العمى عن قوة القبَلية لا يؤثر فقط على الكيفية التي يرى بها الأميركيون بقية العالم، وإنما في الكيفية التي يفهمون بها مجتمعهم أيضاً. ومن السهل على الناس في الدول المتقدمة، خاصة النُخب الكوزموبوليتانية، أن يتصوروا أنهم يعيشون في عالَمٍ ما- بعد- قبَلي. ويبدو مفهوم "القبيلة" نفسه وكأنه يعبر عن شيء بدائي ومتخلِّف، بعيد تماماً عن تطوُّر الغرب، حيث يفترض أن الناس تخلصوا من الدوافع الرجعية لصالح الفردانية الرأسمالية والمواطنة الديمقراطية. لكن القبَلية تبقى قوة جبارة في كل مكان؛ وفي الحقيقة، بدأت في السنوات الأخيرة بتمزيق نسيج الديمقراطيات الليبرالية في العالم المتقدم، بل وحتى النظام العالَمي الليبرالي لما بعد الحرب نفسه. وحتى يتمكن المرء من فهم عالَم اليوم وإلى أين يتجه حقاً، فإن عليه يعي ويعترف بقوة القبَلية. وسوف يؤدي الفشل في القيام بذلك إلى جعل هذه القوة أقوى فحسب.

غريزة أساسية

من شبه المؤكد أن الغريزة البشرية للتماهي مع مجموعة هي شيء مقرر جينياً، وقد أكدت الأدلة التجريبية مراراً على الكيفية التي تعبر بها عن نفسها في مرحلة مبكرة من الحياة. وفي إحدى الدراسات الحديثة، قام فريق من باحثي علم النفس بوضع مجموعة من الأطفال بأعمار بين الرابعة والسادسة إما في مجموعة حمراء أو أخرى زرقاء، وطلبوا منهم أن يرتدوا قميصاً باللون المطابق. ثم جعلوهم يرون صوراً معدّلة بالحاسوب لأطفال آخرين، ظهر أن نصفهم يرتدون قمصاناً حمراء ونصفهم يرتدون قمصاناً زرقاء، وسُئلوا عن ردود أفعالهم. وحتى مع أنهم لم يكونوا يعرفون قطعاً أي شيء عن الأطفال الذين في الصور، فإن المشاركين قالوا باستمرار إنهم أحبوا الأولاد الذين بدوا من مجموعتهم الخاصة، واختاروا تخصيص المزيد من الموارد لهم افتراضياً، وعرضوا تفضيلات لاشعورية قوية تجاههم. وبالإضافة إلى ذلك، عندما قيلت لهم قصص عن الأطفال في الصور، أظهر هؤلاء الأولاد والبنات انحرافات منهجية في الذاكرة، مع ميل إلى تذكر الأفعال الإيجابية للأعضاء من داخل المجموعة، والأفعال السلبية للأعضاء من خارج المجموعة. ومن دون "أي معلومات اجتماعية داعمة من أي نوع"، كما استنتج الباحثون، كان تصوُّر الأطفال للأولاد الآخرين "محرَّفاً بشكل كبير لمجرد العضوية في مجموعة اجتماعية".

تؤكد الدراسات العصبية أن هوية المجموعة يمكنها حتى أن تنتج مشاعر فيزيائية بالرضا. ويبدو أو رؤية أفراد المجموعة وهم يزدهرون تنشط "مراكز المكافأة" في أدمغتنا، حتى لو أننا لا نتلقى أي نفع نحن أنفسنا. وتحت ظروف معينة، يمكن أن تتنشط مراكز المكافأة لدينا عندما نرى أعضاء في مجموعات خارجية وهم يفشلون ويعانون. وقد لاحظت مينا سيكارا، وهي عالمة نفس تدير "مختبر علم الأعصاب بين المجموعات" في هارفارد، أن هذا ينطبق بشكل خاص عندما تخشى إحدى المجموعات مجموعة أخرى أو تحسدها -على سبيل المثال، عندما "يكون هناك تاريخ طويل من الخصومة بينهما ولا تحب إحداهما الأخرى".

هذا هو الجانب القاتم من الغريزة القبَلية. وتؤدي رابطة المجموعة، كما لاحظ عالم الأعصاب، إيان روبرتسون، إلى زيادة منسوب هيرمون الأوكسيتوسين، الذي يحفز "ميلاً أكبر إلى شيطنة المجموعة الخارجية وتجريدها من الخصائص الإنسانية"، والذي يقوم نفسياً بـ"تخدير" التعاطف الذي ربما يشعر المرء به -بخلاف ذلك- تجاه أحد يعاني. وتظهر هذه التأثيرات في وقت مبكر من الحياة. ولنفكر في دراستين حديثتين عن توجهات المجموعة الداخلية والمجموعة الخارجية  للأطفال العرب واليهود في إسرائيل. في البداية، طُلب من الأطفال اليهود أن يرسموا رجلاً "يهودياً عادياً" ورجلاً "عربياً عادياً". ووجد الباحثون أنه حتى بين اليهود في مرحلة ما قبل المدرسة، كان يتم تصوير العرب بشكل أكثر سلبية، وكأشخاص "أكثر عدوانية بشكل كبير" من اليهود. وفي الدراسة الثانية، سُئل طلبة عرب في المدارس الثانوية عن ردود أفعالهم على حوادث متخيلة تتضمن الوفاة العرَضية (غير المتصلة بالحرب أو العنف المتبادل بين المجتمعين) لطفل عربي أو طفل يهودي -على سبيل المثال، موت ناجم عن صعقة كهربائية أو حادث دراجة هوائية. وقد عبَّر أكثر من 60 في المائة من المشاركين عن الحزن على موت طفل عربي، في حين أعرب 5 في المائة فقط عن الحزن على موت طفل يهودي. وفي الحقيقة، قال 70 في المائة تقريباً إنهم شعروا "بالسعادة"، أو "السعادة البالغة" إزاء موت طفل يهودي. 

الهوية فوق الأيديولوجيا

نادراً ما أسهمت نظرة عميقة في قوة هوية المجموعة في تشكيل رأي النخبة الأميركية حول الشؤون الدولية. ويميل صانعو السياسة في الولايات المتحدة إلى رؤية العالم من منظور الدول القومية الإقليمية المنخرطة في صراع سياسي أو أيديولوجي: الرأسمالية مقابل الشيوعية؛ الديمقراطية مقابل الاستبدادية؛ "العالم الحر" مقابل "محور الشر". وعادة ما يعميهم هذا النوع من التفكير عن ملاحظة قوة هويات المجموعات الأكثر بدائية -وهو عمى قاد واشنطن باستمرار إلى ارتكاب الأخطاء في الخارج.

يمكن القول إن الحرب الفيتنامية كانت الهزيمة العسكرية الأكثر إذلالاً في التاريخ الأميركي. وبالنسبة للعديد من المراقبين في ذلك الوقت، بدا من غير المعقول أن تخسر قوة عظمى أمام ما وصفه الرئيس ليندون جونسون بأنه "بلد ضئيل تافه" -أو، بشكل أكثر دقة، أمام نصف ذلك البلد. ومن المعروف الآن تماماً أن صانعي السياسة الأميركيين، الذين ينظرون إلى فيتنام بصرامة من خلال عدسات الحرب الباردة، قللوا من شأن مدى التحفيز الذي شعر به الشعب الفيتنامي في كل من الشمال والجنوب من مسعاهم إلى الاستقلال الوطني، في مقابل التزام أيديولوجي بالماركسية. لكن الأميركيين ما يزالون لا يفهمون، حتى في هذا اليوم، البُعد العرقي للقومية الفيتنامية. 

نظر صانعو السياسة الأميركيون إلى النظام الفيتنامي الشمالي الشيوعي على أنه بيدق للصين -مجرد "حصان راكض لبكين في جنوب شرق آسيا"، كما وصفه الخبير العسكري جيفري ريكورد. وكان هذا التقدير خاطئاً بمقادير مذهلة. فقد قبلت هانوي الدعم العسكري والاقتصادي من الصين، لكن ذلك كان في معظمه تحالف مصلحة. فبعد كل شيء، ظل معظم الفيتناميين لأكثر من ألف عام يخشون الصين ويكرهونها. وقد تعلم كل طفل صيني عن المآثر البطولية لأسلافه/ أسلافها الذين قاتلوا وماتوا من أجل تحرير بلدهم من الصين، التي كانت قد غزت فيتنام في  العام 111 ق.م، ثم استعمرتها لألف عام. وفي العام 1997، التقى روبرت ماكنمارا، الذي شغل منصب وزير دفاع الولايات المتحدة خلال الحرب الفيتنامية، مع نغوين كو تاك، وزير الخارجية الأسبق لفيتنام. وتذكر ماكنمارا لاحقاً قول تاك:

"لا بد أنكم لم تقرؤوا أبداً كتاب تاريخ. ولو أنكم فعلتم، لكنهم قد عرفتم أننا لسنا بيادق للصينيين... ألا تفهمون أننا كنا نحارب الصينيين على مدى 1.000 عام؟ كنا نقاتل من أجل استقلالنا. ويجب أن نحارب حتى آخر رجل... ولن يستطيع أي قدر من القصف؛ أي قدر من الضغط الأميركي أن يوقفنا أبداً".

وفي الحقيقة، بعد بضع سنوات فقط من انسحاب القوات الأميركية من فيتنام، أصبح البلد في حرب مع الصين.

كما فوَّتت واشنطن أيضاً بعداً عرقياً آخر للصراع: كانت لدى فيتنام "أقلية مهيمنة على السوق"، وهو مصطلح نحتُّه في العام 2003 لوصف الأقليات العرقية الخارجية التي تمتلك مقادير غير متناسبة مطلقاً من ثروة أمة. وفي فيتنام، كانت هناك أقلية صينية مكروهة بعمق، تعرف باسم "هُوا" والتي تشكل 1 في المائة فقط من السكان، لكنها سيطرت تاريخياً على ما يعادل 80 في المائة من تجارة البلد وصناعته. وبعبارات أخرى، لم يكن معظم رأسماليي فيتنام من الفيتناميين العرقيين. وإنما كانوا بدلاً من ذلك أعضاء في عرق الـ"هُوا" المحتقَر -وهي حقيقة استغلها قادة فيتنام الشيوعيون وبالغوا في تضخيمها فيها، مدّعين أن "الصينيين العرقيين يسيطرون على 100 في المئة من تجارة الجملة المحلية في جنوب فيتنام، وواصفين "تشولون"، وهي منطقة ذات أغلبية من السكان الصينيين العرقيين، بأنها "القلب الرأسمالي الذي يدق داخل جسد فيتنام الاشتراكية".

لأن صانعي السياسة الأميركيين فوّتوا تماماً هذا الجانب العرقي من الصراع، فإنهم فشلوا في رؤية أن كل خطوة مؤيدة للرأسمالية اتخذوها في فيتنام، ساعدت عملياً في تحويل مشاعر السكان المحليين ضد الولايات المتحدة. وعملت سياسات واشنطن في زمن الحرب على تكثيف ثروة وسطوة الأقلية العرقية الصينية، التي تولى أفرادها –كوسطاء- تزويد معظم إمدادات الجيش الأميركي، وتموينه ولوجستياته (بالإضافة إلى بيوت الدعارة والأسواق السوداء في فيتنام). وهكذا، كانت الأنظمة التي تنصِّبها واشنطن في سايغون تطلب من الفيتناميين الجنوبيين أن يقاتلوا ويموتوا -ويقتلوا إخوانهم الشماليين- من أجل إبقاء الصينيين العرقيين أثرياء. ولو أن الولايات المتحدة أرادت فعلاً تقويض أهدافها الخاصة، لما كانت ستأتي بصيغة أفضل لتحقيق ذلك.

قوة الباشتون

تشكل الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن في فيتنام جزءاً من نمط في السياسة الخارجية الأميركية. فبعد هجمات 11/9، أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى أفغانستان لاستئصال شأفة تنظيم القاعدة والإطاحة بطالبان. ونظرت واشنطن إلى مهمتها هناك بشكل كامل من خلال عدسات "الحرب على الإرهاب"، مركِّزة على دور الأصولية الإسلامية –ومفوِّتة مرة أخرى الأهمية المركزية للهوية العرقية.

تشكل أفغانستان موطناً لشبكة معقدة من الجماعات العرقية والقبَلية التي لها تاريخ طويل من التنافس والعداوة المتبادلة. ولأكثر من 200 عام، كانت المجموعة العرقية الأكبر، الباشتون، تهيمن على البلد. لكن سقوط النظام الملَكي الباشتوني في البلد في العام 1973، والغزو السوفياتي في العام 1979، والسنوات اللاحقة من الحرب الأهلية، قوضت هيمنة الباشتون. وفي العام 1992، استولى تحالف يسيطر عليه الطاجيك والأوزبك العرقيون على السلطة.

وبعد بضع سنوات لاحقاً، ظهرت حركة طالبان على هذه الخلفية. وليست طالبان مجرد حركة إسلامية فحسب، وإنما هي أيضاً حركة عرقية. فقد أسس الباشتون المجموعة، وهم الذين يقودونها ويشكلون الغالبية العظمى من أعضائها. وقد ساعدت التهديدات لهيمنة الباشتون في صعود طالبان ومنحت المجموعة قوتها المقيمة.

لم يولِ صانعو السياسة والاستراتيجيون الأميركيون أي اهتمام تقريباً بهذه الحقائق العرقية. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2001، عندما غزت الولايات المتحدة البلد وأطاحت بحكومة طالبان في غضون 75 يوماً فقط، عمدت إلى ضم قواها مع التحالف الشمالي الذي يقوده أمراء الحرب الطاجيك والأوزبِك، والذي ويُنظر إليه بشكل واسع على أنه مناهض للباشتون. ثم نصَّب الأميركان في ذلك الوقت حكومة اعتقدَ الكثير من الباشتون أنها همَّشتهم. ومع أن حامد كرزاي، الذي اختارته واشنطن ليقود أفغانستان، كان من الباشتون، فقد ترأس الطاجيك معظم الوزارات الرئيسية في حكومته. وفي الجيش الوطني الأفغاني الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة، شكل الطاجيك نحو 70 في المائة من قادة الكتائب في الجيش، هذا مع أن 27 في المائة فقط من الأفغان هم من الطاجيك. وفي حين بدا أن الطاجيك يزدادون غنى بينما تقصف الغارات الجوية الأميركية المناطق ذات الأغلبية الباشتونية، انتشرت مقولة مريرة بين الباشتون الأفغان: "إنهم يحصلون على الدولارات، ونحن نحصل على الرصاص". ومع أن الكثير من الباشتون يكرهون طالبان، فإن قلة منهم كانوا راغبين في دعم حكومة رأوها على أنهم تُخضع مصالحهم لمصالح منافسيهم العرقيين الذين يشعرون إزاءهم بازدراء عميق.

الآن، بعد سبعة عشر عاماً من غزو الولايات المتحدة لأفغانستان، ما تزال طالبان تسيطر على أجزاء كبيرة من البلد، وما تزال أطول حرب في التاريخ الأميركي مستمرة. واليوم، أصبح العديد من الأكاديميين والنخب السياسية الأميركية مدركين للتعقيدات العرقية لأفغانستان. وللأسف، جاء هذا الإدراك لمركزية هوية المجموعة متأخراً كثيراً، وهو ما يزال يفشل في إرشاد السياسة الأميركية بطريقة يعتد بها.

هذه الأشياء تحدُث

كما ساعد عدم فهم القوة السياسية للمجموعة أيضاً على الحكم بالفشل على حرب الولايات المتحدة في العراق. فقد فشل مهندسو وأنصار الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 في رؤية (أو التقليل إلى الحد الأدنى من) عمق الانقسامات بين الشيعة والسنة والأكراد العراقيين، وكذلك الأهمية المركزية للولاءات القبَلية والعائلية في المجتمع العراقي. كما فوّتوا أيضاً ملاحظة شيء أكثر تحديداً: وجود أقلية مهيمنة على السوق.

كان السنة قد سيطروا على العراق منذ قرون، أولاً تحت الحكم العثماني، ثم في عهد البريطانيين الذين حكموا بشكل غير مباشر من خلال النُخب السُنية، ثم بالطريقة الأكثر فظاعة، في عهد صدام حسين الذي كان هو نفسه سُنياً. وقد فضل صدام السُنيين، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى عائلته الخاصة، واضطهد بلا رحمة شيعة البلد وأكراده. وعشية الغزو الأميركي، كان العراقيون من العرب السنة الذين يشكلون 15 في المائة تقريباً من سكان البلد يهيمنون على البلد اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وعلى النقيض من ذلك، شكل الشيعة الأغلبية الساحقة من فقراء المناطق الريفية والحضرية على حد سواء.

في ذلك الوقت، حذر عدد صغير من النقاد (بمن فيهم كاتب هذه السطور) من أن محاولة الدمقرطة السريعة للعراق تحت هذه الظروف ستكون مزعزعة للاستقرار إلى حد هائل. وفي العام 2003، حذرتُ من أن الانتخابات يرجح أن لا تنتج عراقاً موحداً وإنما حكومة انتقامية يهيمن عليها الشيعة، والتي ستعمد إلى استبعاد السنة والانتقام منهم، وهو ناتج سوف يغذي صعود الحركات الأصولية المناهضة لأميركا بكثافة. ولسوء الحظ، تحقق هذا السيناريو بالتحديد: فبدلاً من جلب السلام والازدهار إلى العراق، أفضت الديمقراطية إلى اندلاع حرب طائفية، والتي أدت في نهاية المطاف إلى صعود ما يدعى تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضاً باسم "داعش")، وهو حركة سنية متطرفة مكرسة لقتل "المرتدين" الشيعة، بقدر ما هي ملتزمة بقتل "الكفار" الغربيين.

توفر نتيجة زيادة عديد القوات الأميركية في العراق في العام 2007 دليلاً على أنه لو كانت واشنطن أكثر انتباهاً لأهمية هويات المجموعة في العراق، لكان الغزو والاحتلال بداية قد اتخذ مسارات بالغة الاختلاف. وكان تدفق 20.000 جندي أميركي إضافي مهماً، لكن الزيادة ساعدت في إضفاء الاستقرار على العراق فقط لأنها كانت مصحوبة بتحول 180 درجة في النهج الأميركي تجاه السكان المحليين. فلأول مرة خلال الحرب العراقية، ثقف الجيش الأميركي نفسه حول الديناميات الطائفية والعرقية المعقدة في البلد –ليدرك، بكلمات الجنرال العميد جون ألين، أن "المجتمع القبَلي يشكل الصفائح التكتونية في العراق، والتي يرتكز عليها كل شيء". وعن طريق إقامة تحالفات بين الشيوخ الشيعة والسنة، وبتأليب المعتدلين ضد المتطرفين، حقق الجيش الأميركي نجاحات كبيرة، بما فيها انحسار كبير في العنف الطائفي وفي الخسائر بين العراقيين والجنود الأميركيين على حد سواء.

قبيلَة ترامب

ربما تبدو فيتنام، وأفغانستان والعراق عوالِم بعيدة عن الولايات المتحدة، لكن الأميركيين ليسوا محصنين ضد السياسات القبَلية التي دمرت تلك البلدان. ويميل الأميركيون إلى التفكير في الديمقراطية على أنها قوة موحِّدة. لكن الديمقراطية يمكن أن تحفز الصراع بين المجموعات في ظل ظروف معينة -كما أظهرت خبرة العراق، وكما يتعلم الأميركيون الآن عن كثب. وفي السنوات الأخيرة، شرعت الولايات المتحدة في عرض ديناميات سياسية مدمرة أقرب من نمط الدول النامية وغير الغربية: صعود الحركات القومية-العرقية، وتآكل الثقة في المؤسسات والنتائج الانتخابية، والديماغوجية المحرِّضة على الكراهية، وردة فعل شعبية ضد كل من  "المؤسسة" والأقليات الأجنبية -و، فوق كل شيء، تحويل الديمقراطية إلى محرك لنزعة قبَلية سياسية محصلتها صفر.

ترجع هذه التطورات في جزء منها إلى تحول ديمغرافي هائل. فلأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، أصبح البيض على أعتاب فقدان وضعهم كأغلبية في البلد. وبدرجات متفاوتة، شعرت الأقليات في الولايات المتحدة منذ وقت طويل بأنها ضعيفة وتحت التهديد؛ واليوم، يشعر البيض أيضاً بهذه الطريقة. وقد أظهرت دراسة في العام 2011 أن أكثر من نصف الأميركيين البيض يعتقدون بأن "البيض حلوا محل السود في كونهم ‘ضحايا أساسيين للتمييز’". وعندما تشعر الجماعات بالتهديد، فإنها تتراجع إلى القبَلية. وتقوم برص الصفوف وتصبح أكثر انعزالية، وأكثر دفاعية، وأكثر تركيزاً على فكرة "نحن مقابل هُم". وفي حالة الأغلبية البيضاء الأميركية المتقلصة، اندغمت ردود الفعل هذه في رد فعل قوي، مثيرة التوترات في مناخ اجتماعي مستقطَب سلفاً، والذي تشعر فيه كل مجموعة -البيض، والسود، واللاتينيون، والآسيويون، والمسيحيون، واليهود والمسلمون؛ والأسوياء والمثليون؛ والليبراليون والمحافظون؛ والرجال والنساء- بأنها تحت الهجوم، وتتعرض للتنمر، والاضطهاد، والتمييز ضدها.

لكن هناك سبباً آخر يكمن وراء ظهور هذه الأمراض القبَلية اليوم. تاريخياً، لم يكن لدى المتحدة أبداً أقلية مهيمنة على السوق. بل على النقيض من ذلك، هيمنت على البلد في أغلب فترات تاريخه، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، أغلبية بيضاء موحَّدة نسبياً، -وفي حالة مستقرة، ولو أنها خادعة.

لكنّ شيئاً ما تغير في سنوات الحرب. ففيما يعود جزئياً إلى مستويات قياسية من عدم المساواة الاقتصادية وإلى تراجعات مدهشة في المرونة الجغرافية والاجتماعية، أصبح الأميركيون البيض الآن منقسمين بشكل كثيف على أساس خطوط طبقية أكثر مما كانوا على مدى أجيال. ونتيجة لذلك، ربما تشهد الولايات المتحدة ظهور نسختها الخاصة من الأقلية المهيمنة على السوق: الجماعة التي كثيراً ما تُناقش وكثيراً ما يشار إليها باسم "النخب الساحلية". ومن المؤكد أن "النخب الساحلية"، هو مصطلح مضلِّل –كاريكاتيري ببعض الطرق. فأعضاء المجموعة ليسوا ساحليين ولا كلهم نخبة، على الأقل بمعنى كونهم أثرياء. ومع ذلك، ومع بعض المحاذير المهمة، تحمل النخب الساحلية الأميركية شبهاً قوياً بالأقليات المهيمنة على السوق في العالم النامي. وتتركز الثروة في الولايات المتحدة في أيدي عدد صغير نسبياً من الناس، معظمهم يعيشون على السواحل. وتهيمن هذه الأقلية على قطاعات رئيسية من الاقتصاد، بما فيها "وول ستريت"، والإعلام، ووادي السيليكون. ومع أن النخب الساحلية لا تنتمي إلى أي إثنية واحدة، فإنها متمايزة ثقافياً، وتتقاسم في كثير من الأحيان قيماً عالمية مثل العلمانية، والتعددية الثقافية، والتسامح مع الأقليات الجنسية، والسياسات المؤيدة للمهاجرين والتقدمية. ومثل الأقليات الأخرى المهيمنة على السوق، فإن النُخَب الساحلية الأميركية منعزلة للغاية، ويتفاعل أفرادها ويتزاوجون بشكل أساسي بين أنفسهم، ويعيشون في نفس المجتمعات، ويرتادون نفس المدارس. وبالإضافة إلى ذلك، ينظر الكثير من الأميركيين العاديين إلى هذه النخب على أنها لا مبالية، بل وحتى معادية لمصالح البلد.

ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2016 هو بالضبط ما كنت لأتنبأ بحدوثه في بلد نامٍ يقيم انتخابات في ظل وجود أقلية مهيمنة على السوق محتقرَة بعمق: صعود حركة شعبوية تدعو فيها أصوات الديماغوجيين الأميركيين "الحقيقيين"، بكلمات دونالد ترامب، بنداء: "استعيدوا بلدنا". وبطبيعة الحال، وعلى النقيض من معظم ردات الفعل الارتدادية ضد الأقليات المهيمنة على السوق في العالم النامي، فإن شعبوية ترامب ليست مناهضة للأغنياء. بل على العكس من ذلك، فترامب نفسه ملياردير معلَن، وهو ما يقود الكثيرين إلى التساؤل عن كيف  يمكن أن يكون قد "خدع" قاعدته المناهضة للمؤسسة إلى دعم عضو من فائقي الثراء، والذي ستجعل سياساته فائقي الثراء أكثر ثراءً فحسب.

تكمن الإجابة في القبَلية. بالنسبة للبعض، فإن القبول الذي يتمتع به ترامب عرقي: كمرشح وكرئيس، أدلى ترامب بتصريحات، إما صريحة أو مشفرة، والتي تروق لبعض الانحيازات العنصرية للناخبين البيض. لكن هذه ليست الصورة كاملة. ففيما يتعلق بالذوق، والحساسيات والقيم، فإن ترامب يشبه حقاً بعض أعضاء الطبقة العاملة البيضاء. والغريزة القبَلية هي كل شيء في فكرة التماهي، ويتماهى الكثير من قاعدة ترامب معه على مستوى الحدس. يتماهون مع الطريقة التي يتحدث بها والتي يلبس بها. ويتماهون مع الطريقة التي يستجيب بها للمواقف بتسرع وبلا تفكير -حتى (وربما بشكل خاص) عندما يتم الإمساك به وهو يرتكب خطأ، أو يبالغ، أو يكذب. وهم يتماهون مع الطريقة التي يصبح بها تحت الهجوم من المعلقين الليبراليين -النخب الساحلية في الجزء الأكبر- لأنه يفتقر إلى الصواب سياسياً، ولأنه ليس نسوياً بما يكفي، ولأنه لا يقرأ ما يكفي من الكتب، ولغرامه بالتهام الوجبات السريعة.

في الولايات المتحدة، ليس كون المرء مناهضاً للمؤسسة هو نفس كونه مناهضاً للأغنياء. والذين لا يمتلكون لا يكرهون الثروة: فالكثيرون منهم يريدونها، أو يريدون لأولادهم محاولة امتلاكها، حتى لو اعتقدوا أن النظام متصلب ضدهم. ويتوق الأميركيون الفقراء، ومن الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من كل الأعراق إلى تحقيق "الحلم الأميركي" عتيق الطراز. وعندما يغويهم الحلم الأميركي –بل وحتى عندما يسخر منهم- فإنهم سرعان ما ينقلبون على المؤسسة، أو القانون، أو المهاجرين والخارجيين الآخرين، أو حتى على العقل، بدلاً من الانقلاب على الحُلم نفسه.

الحدّ من مدّ القبَلية

تتسبب السياسية القبَلية بتصدع الولايات المتحدة، وتحوّل البلد إلى مكان حيث ينظر الناس من إحدى القبائل إلى الآخرين -ليس فقط كمعارضة، وإنما أيضاً كأناس غير أخلاقيين، شريرين، ومعادين للأميركانية. وإذا كان ثمة طريق للخروج، فإنه ينبغي أن يعالج كلاً من الاقتصاد والثقافة على حد سواء.

بالنسبة لعشرات الملايين من الأميركيين من الطبقة العاملة، قُطعت الطرق التقليدية إلى الثروة والنجاح. وأظهر عالم الاقتصاد، راج شيتي، أن فرص الطفل الأميركي خلال السنوات الخمسين الماضية في تحقيق دخل أفضل من والديه/ أو والديها هبطت من نحو 90 في المائة إلى 50 في المائة. ووجدت دراسة حديثة نشرتها صناديق بيو الخيرية أن "43 في المائة من الأميركيين الذين نشأوا في قاع سلم الدخل يظلون عالقين هناك كبالغين، وأن 70 في المائة لا يتمكنون أبداً من الانتقال إلى الوسط". وبالإضافة إلى ذلك، وإلى حد ربما لا تدركه النخب الأميركية، فإن مكانتها الخاصة أصبحت وراثية. وأكثر من أي وقت مضى، أصبح تحقيق الثروة في الولايات المتحدة يتطلب تعليماً نخبوياً ورأس مال اجتماعي، ولا تستطيع معظم العائلات ذات الدخل المتدني أن تنافس في هذه المجالات.

تزدهر القبَلية السياسية تحت ظروف انعدام الأمان الاقتصادي والافتقار إلى الفرصة. ولمئات السنين، كانت الفرص الاقتصادية ومرونة الانتقال إلى أعلى قد ساعدت الولايات المتحدة في دمج شعوب مختلفة إلى حد هائل بنجاح أكثر من أي أمة أخرى. ويجب النظر إلى انهيار مرونة الانتقال إلى أعلى في الولايات المتحدة على أنه حالة طوارئ وطنية.

لكن مواطني الولايات المتحدة سوف يحتاجون إيضاً إلى اجتراح هوية وطنية قادرة على أن تروق للأميركيين من كل الأنواع وتجمعهم معاً –كباراً وصغاراً، مهاجرين ومولودين في البلد، حضريين وريفيين، أغنياء وفقراء، من نسل العبيد أو من نسل مالكي العبيد. وإحدى الخطوات الأولى ستكون الشروع في جسر فجوة الجهل والازدراء المتبادلين التي تفصل بين الساحل والداخل. وإحدى الأفكار ستكون وضع برنامج للخدمة العامة، والذي يشجع -أو يتطلب من- الأميركيين الصغار قضاء سنة بعد المدرسة الثانوية في مجتمع آخر، بعيد عن مجتمعهم الخاص، وليس بهدف "مساعدة" أعضاء المجموعة الأخرى، وإنما لغاية التفاعل مع أناس ما كانت طرقهم لتتقاطع معهم بخلاف ذلك، والعمل معاً -في الوضع المثالي- في اتجاه تحقيق غاية مشتركة.

مع ذلك، ليست القبَلية المتصاعدة مشكلة أميركية فقط. ثمة تنويعات من الشعبوية القبَلية المتعصبة تنفجر عبر كامل أوروبا، وتؤدي إلى تآكل دعم الكيانات الفوق-وطنية مثل الاتحاد الأوروبي، بل وتهدد النظام الليبرالي العالمي نفسه. وكان "بريكسيت"، على سبيل المثال، ردة فعل شعبوية ضد النخب في لندن وبروكسل، والتي يرى الكثيرون أنها تسيطر على المملكة المتحدة عن بُعد وبأنها منفصلة عن البريطانيين "الحقيقيين" -"المالكين الحقيقيين" للأرض، والذين ينظر الكثيرون منهم إلى المهاجرين كتهديد. وعلى المستوى الدولي، كما في الولايات المتحدة، لن تأتي الوحدة كمُعطى، وإنما فقط من خلال العمل الدؤوب والشاق، والقيادة الشجاعة، والإرادة الجمعية. ويمكن أن تؤدي النخب الكوزموبوليتانية دورها بالاعتراف بكونها هي نفسها جزءا من قبيلة تقودها درجة عالية من الإقصاء وإصدار الأحكام، والتي تكون في كثير من الأحيان أكثر تسامحاً تجاه الاختلاف في مجرد المبدأ أكثر من الممارسة، والتي تسهم بشكل غير مقصود في إثارة الضغينة والانقسام.

 

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:

 Tribal World: Group Identity Is All

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق