ترامب سيعقد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين

تم نشره في الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

تسفي بارئيل

27/8/2018

"هدفنا ليس ابقاء الأمور ثابتة بدون تغيير. احيانا يجب اخذ مخاطرة استراتيجية لكسر اشياء من اجل تحقيق الهدف"، كتب غارد كوشنير، مستشار وصهر الرئيس الأميركي في شهر كانون الثاني الماضي، لعدد من كبار البيت الابيض. في البرقية التي كشف عنها موقع "فورن بوليسي" في بداية شهر آب يتناول كوشنير الحاجة للعمل ليس فقط ضد استمرار وجود وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة "الأونروا"، بل أيضا اعادة تحديد عدد الفلسطينيين الذين يحملون صفة لاجئ.
حسب تقارير من واشنطن فإن في نية الادارة الاعتراف فقط بنصف مليون لاجئ فلسطيني يحظون بمكانة لاجئ خلافا لتعريف الأمم المتحدة، التي تعترف بوجود 5 ملايين لاجئ. إضافة إلى القرار السابق، الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية اليها. وإضافة إلى تجميد مبلغ 200 مليون دولار من أصل 250 مليون دولار التي تمنحها الولايات المتحدة للفلسطينيين كمساعدات إنسانية ولدعم المشاريع، فإن النية لتقليص المساعدات للأونروا تستند إلى نفس الاستراتيجية التي تقول إن ما لا يمكن حله من خلال المفاوضات يمكن حله من خلال قرارات احادية الجانب. الكسر من اجل التغيير، حسب أقوال كوشنير.
هذه الاستراتيجية البلطجية لا تتساوق مع إعلان ترامب الذي يقول إن "الفلسطينيين سيحصلون على شيء ما جيد" مقابل نقل السفارة، وهو يناقض حلمه بخصوص "صفقة القرن"، الذي فيه سيضطر الطرفان لدفع ثمن باهظ من اجل التوصل إلى السلام. في هذه الصفقة الآخذة في النزول عن جدول الأعمال هناك أمر واحد واضح فيها، الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون والذي دفعوه حتى الآن. حسب نظرية ترامب بقي عليه الآن فقط أن يملي حدود دولة إسرائيل وفقا لخارطة الاستيطان وأن يحدد من واشنطن مكانة الاماكن المقدسة، وبذلك يستطيع عرض اتفاق السلام التاريخي الذي سيتم التوقيع عليه بوجود الطرفين، رئيس الولايات المتحدة ورئيس حكومة إسرائيل.
مشكلة اللاجئين هي موضوع ثنائي الابعاد. على البعد القومي الرمزي يمثل حق العودة للفلسطينيين، حسب ما تم تعريفه في قرار 194 للأمم المتحدة من العام 1948، ذريعة للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. وعليها تستند المطالبة التاريخية بالعدالة التي سلبت منهم في اعقاب حرب الاستقلال التي تسببت بالنكبة واللجوء الفلسطيني. التنازل عن مشكلة اللاجئين وعن حق العودة يعتبر خيانة للفكرة القومية ومنح العفو بدون مقابل لمن تسبب بالظلم الكبير للفلسطينيين.
ولكن أيضا للرموز ثمن. دول كثيرة حدثت فيها نزاعات وطنية وجدت طرق للتصالح والتسامح بدون نسيان المآسي التي حلت بها. مثلا، تصالح إسرائيل مع المانيا أو القبائل المتخاصمة في رواندا. وشبيها بذلك أيضا القيادة الفلسطينية اوضحت بأنها مستعدة للتفاوض مع إسرائيل على حق العودة. في العام 2002، في القمة العربية التي عقدت في بيروت، أوضحت الدول العربية بأنها ستوافق على حل عادل ومتفق عليه على قاعدة القرار 194. هذه كانت الصيغة الرسمية الأولى التي اخترقت الحائط الحصين الذي منع البحث في هذا الأمر.
بعد سنوات من ذلك اوضح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن "مطالبة إسرائيل باستيعاب 5 ملايين لاجئ هي أمر غير منطقي. أيضا ولا مليون حتى". حسب وثائق عرضتها قناة "الجزيرة " في 2010 فإن عباس بحث مع حكومة إيهود اولمرت استيعاب نحو 100 ألف لاجئ، بوتيرة 10 آلاف في كل سنة على مدى عشر سنوات (اولمرت عرض 25 ألف لاجئ). الطرفان اعترفا في حينه بأن المطالبة بالحد الأعلى أو الرفض الكامل لن يؤديا إلى أي حل. والسؤال في حينه كان ما هو العدد الذي يستطيع كل طرف التعايش معه بسلام مع الجمهور. البعد العملي لحق العودة انتقل بناء على ذلك من اجل ترجمة الشعار إلى ارقام، ترجمة يمكنها أن تكون جزء من المفاوضات مثل مكانة القدس.
إن رفع بلطة ترامب على عدد اللاجئين يمس بشكل مباشر بأبعاد المشكلة. وهو يعقد حلها بدون أن يطرح حل عملي. حتى لو قبل الفلسطينيون بصورة مدهشة الموقف الأميركي، ماذا سيكون مصير النصف مليون لاجئ؟ هل سيسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم؟ هل النصف مليون لاجئ فلسطيني مقابل الخمسة ملايين لاجئ سيقلص فداحة الظلم التاريخي في نظر الفلسطينيين؟ هل المفاوضات ستنتقل الآن إلى مسائل حسابية بدل البحث عن اتفاق مبدئي دون صلة بعدد اللاجئين؟ بشكل عام، على أي أساس تقرر الإدارة الأميركية أن عدد اللاجئين هو نصف مليون لاجئ؟ ترامب ليست لديه اجابات على هذه الاسئلة.
في الوقت الحالي كل همه هو ابادة الأونروا عن طريق عرضها كمن تخلد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. أي أنه بدون وجود الوكالة لا توجد مشكلة لاجئين. واذا كانت مع ذلك موجودة فهي أمر هامشي. ترامب محق في أن وكالة الغوث هي جسم فاسد لا يستطيع التفاخر بالشفافية في نشاطاته وصرف امواله. لكنها منظمة تقوم باعالة أكثر من 22 ألف شخص في جهاز التعليم، وتشغل عشرات المدارس وتوزع آلاف الطرود الغذائية.
المنظمة تعتبر مصدر مساعدة أساسيا، وحتى حصريا، لمئات آلاف اللاجئين. إن تقليص ميزانيتها يمكن أن يمس بشكل كبير قدرتها على العمل، لكن اذا قررت الدول العربية استكمال الميزانية التي تقتطعها الولايات المتحدة فلن يكون لقرار ترامب معنى عملي كبير. الادارة الأميركية تقترح نقل دعم مباشر للدول التي تستضيف اللاجئين وبذلك تتجاوز "الاونروا"، لكن في نفس الوقت، الولايات المتحدة تقلص المساعدات للفلسطينيين ولا توضح كم سيكون مبلغ المساعدات للدول المضيفة.
أيضا ادعاء الرئيس الأميركي الذي يقول إن اللاجئين الفلسطينيين فقط هم الذين يحظون بـ "حق التوريث" لمكانة لاجئ هو ادعاء صحيح. ميثاق جنيف وكذلك تعريف الأمم المتحدة للاجئين (خلافا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) ينصان على أن اللاجئي هو من اضطر بنفسه إلى الهرب إلى دولة اخرى بسبب ظروف حرب أو مطاردة، لكن هذه المكانة لا يمكن توريثها.
حق التوريث هو الذي خرق حقا الحجم الكبير لعدد اللاجئين الفلسطينيين، لكن خلافا للاجئين آخرين لم يكن للفلسطينيين دولة يعودون اليها بعد انتهاء الحرب، وأجيال من اللاجئين بقيت بدون قومية، وإن حصلوا على المواطنة في عدد من الدول. إن اقامة دولة فلسطينية مستقلة تستوعب اللاجئين يمكنها حل مشكلة الانتماء القومي وموضوع جنسيتهم. ولكن لهذه الغاية يجب التوصل إلى مفاوضات ينتج عنها اتفاقات سياسية. ترامب في المقابل، يقترح طريق اصيلة. في البداية هو يحدد أن المشكلة ليست موجودة، وحينها يتم التفاوض.

التعليق