حنان كامل الشيخ

ياسر المصري.. بطولة مطلقة

تم نشره في الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

حسنا فعل المسؤولون عندنا حين لم يكلف أحدهم خاطره لحضور جنازة الفنان الراحل ياسر المصري. حسنا فعلوا لأن حالة "التشعبط" على أكتاف الضعفاء أصبحت مملة ومزعجة وكريهة حقيقة!
المسؤلون والمديرون وأصحاب الألقاب الرفيعة، الذين لم يفكروا أن يكرموا الفنان الأردني في حياته، ليس بالميداليات والدروع والابتسامات الكذابة، بل بالدعم المادي والمعنوي النابع من الإيمان بدور المبدع الأردني في رفد محصول الوطن فكريا وإنسانيا وماديا وسياسيا حتى. هؤلاء الأكابر ما كان لهم من مكان ضمن الجموع الغفيرة من محبي الفنان الذي صدمهم بغيابه المفاجئ، لأنهم وكما هو معروف سوف يحولون المشهد إلى "احتفاليات" بصورهم وفيديوهاتهم التي ستملأ المكان، وكأنهم أبطال الرواية، في مكان اعتاد ياسر المصري أن يستفرد فيه بالبطولة ولسنوات عديدة، بين الناس الذين أحبوه بتلقائية وبساطة، لأنهم صدقوا كم كان أردنيا صرفا بحتا جميلا صادقا وشجاعا.
ويأتيك من يعاتب المسؤولين على تغيبهم عن الحضور، وكأننا كان ينقصنا رصيد إضافي في ألبومات التزلف والرياء من أجل مصالح أخرى.
الفنان الأردني بات واعيا تماما لما آلت إليه الأحوال في وطنه، حين يتعلق الأمر بالمنتج الإبداعي المحلي. وهذا بالمناسبة يسري على أصحاب المهن الإبداعية الأخرى. وقد طال الحديث عبر سنوات وعقود حول الاسطوانة نفسها، بدون أن يحقق "الكلام" نتائج تذكر.
فدعم المبدعين والإيمان بهم من حيث المبدأ كرديف أساسي يعكس صورة البلد ويتحدث عنها بلغات مختلفة، صار تراثا فلوكلوريا إن أحببتم أن تسموه، يتصل بالمواسم والمناسبات غير السعيدة على الأغلب، تكون مرتبطة إما بمرض أو وفاة أو هجرة أو اختفاء مبدعة أو مبدع تحت سماء هذا الوطن.
لقد صار من البديهي بل ومن الضروري أن تطلع هذه الأصوات المناوئة الغاضبة من إهمال الدولة بمبدعيها، والاحتفاء المبالغ به في مبدعي العالم، بل وبمعايرتنا بهم إن اقتضى الأمر. تصدح الأصوات وتستصرخ، ثم ما تلبث أن تهدأ بعدها بأيام أو حتى بساعات، في انتظار ضربة جديدة يتلقاها الفنان والرياضي والمعلم والروائي والمبدع أينما كان مكانه.
بالطبع الحديث لا يتعلق بأصحاب الهمم من المبدعين المحظوظين بدوائر وحصانات وعلاقات تحميهم، إلى حد ما وإلى وقت ما، من تقلبات الزمن وغدر الحياة. تحمي الفنان من ضعف الإنتاج وهروب المنتجين العرب إلى أسواق أخرى، فلا يجد ساترا يرتد إليه ظهره لا من دولة ولا مؤسسات ولا رجال أعمال محترمين.
تحمي الرياضي من قلة ذات اليد بسبب انحسار الدعم المالي إلى مكافأة مالية لا تكفي لحجز غرفة نوم في مطارات الترانزيت، في انتظار موعد البطولة على أرضية قاعات الانتظار، وحين يعود بلا ميدالية لا يلقى "زبونا" واحدا في انتظار التقاط الصور. تحمي المعلم المبدع المتألق من سن التقاعد وحشر طاقاته الإبداعية الناضجة بين أربعة جدران، فقط لأنه حي لا يضرب الجرس على مواقع التواصل أن ها أنا هنا!
تحمي الروائي من مزاجية المراقب ومعرض الكتاب وصداقات الناشرين والانتظار الثقيل على باب مدير يعتقد أنه يفهم الموضوع أكثر!
كثيرون من هم بحاجة لمن يحميهم ولكن طبعا ليس هنا، فالمسؤولون لدينا ليس من مهامهم الحماية أو الإحاطة لا سمح الله، إلا إن كان الأمر مقرونا برعايات خارجية.
لا تعتبوا على من غاب عن موعد صلاة الجمعة الفائتة ولم يصل على روح الفنان ياسر المصري. بل اشكروهم بحرارة، لأنهم على الأقل لم يسرقوا الكاميرا في المشهد الذي لا يحتمل إلا صورا جماعية مع المحبين البسطاء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحسنت (أيمن أبولبن)

    الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2018.
    مقال جميل وموجع