موفق ملكاوي

كيف نستأنف البناء؟

تم نشره في الاثنين 27 آب / أغسطس 2018. 11:06 مـساءً

الأسبوع الماضي، طرح معالي وزير الثقافة الأسبق، الدكتور صلاح جرار، سؤالا على صفحته في "فيسبوك"، يقول: "ما هي مقومات استئناف البناء الحضاري للأمة العربية والإسلامية؟".
الإجابات على صفحة أستاذنا جرار، تنوعت كثيرا، وأحيانا، سحبت النقاش بعيدا عن الأساسات المهمة التي ينبغي أن يتم النقاش حولها، كما أشرت بوضوح على تباين في مفهوم الناس للنهضة المطلوبة، وكيفية استدراجها إلى بلادنا، فكثير من الإجابات شددت على العودة إلى الدين لتحقيق النهضة، بينما أخرى طالبت بالاهتمام بتربية النشء أو إشاعة الحريات وغيرها، وهي عمليات قد تكون لاحقة، لكن لا بد أن يكون هناك أساسات راسخة للبدء بعملية التنمية الشاملة التي تقود إلى النهضة.
برأيي، إن أهم ما يعاني منه العالمان؛ العربي والإسلامي، اليوم، خمس قضايا أساسية، هي: التخلف، والتبعية، والديكتاتورية، وغياب العدالة وتكافؤ الفرص، وضعف التعليم.
في قضية التخلف هنا، فأنا لا أقصد تلك المعتمدة على التقدم العلمي، بل المعتمدة على المدنية والاحتكام للغة العصر الراهن، ما يعني النظم المجتمعية السائدة التي تبيح التجاوز على القانون والإنسانية لمصلحة العادات المتوارثة التي لا يدخل كثير منها في سياقات المعقولية، ولكننا ندافع عنها ونرعاها لتحقيق سيادات تتعلق بالذكورة والقبلية والروابط البدائية.
أما التبعية، فهي واضحة تماما؛ إذ لا يوجد بلد عربي أو إسلامي واحد استطاع حتى اليوم تحقيق الاكتفاء الذاتي، ما يعني اعتمادا أكيدا على الدول المانحة، أو على الغرب الإمبريالي بالمفهوم الأيديولوجي، وهو اعتماد يقود إلى التدخل المباشر بالسياسات، فتفقد الدول سيادتها على القرار، كما تفقد الشعوب قدرتها على التغيير بسبب تبعية الأنظمة العربية والإسلامية للدول الإمبريالية التي تدعم تلك الأنظمة كونها لم تستطع حتى اليوم التخلي عن الأحلام الذهبية لعصر الاستعمار المباشر.
صحيح أن جميع الدول، وبلا استثناء، فقدت جزءا من سيادتها في عصر السوق المفتوح لمصلحة الشركات العملاقة العابرة للحدود والقارات، إلا أنه من الثابت هناك العديد من تلك الشركات تنفذ أجندات بالتشارك مع بعض الدول، وهي شراكات اقتصادية في شكلها الأولي، لكنها، وبالتأكيد، تأخذ أبعادا سياسية كبيرة تحاصر من خلالها السيادة الوطنية، وتؤثر على العديد من قرارات الدول.
في هذا الجانب، استطاع الغرب الإمبريالي أن يحكم قبضته، اقتصاديا، على الدول العربية والإسلامية، وأن يحدد شكل السلطة القائمة فيها، وحدود الإصلاح الذي من الممكن أن يطرأ عليها، ما قاد إلى سلطات ديكتاتورية غير عابئة بالمواطن، بل يهمها تنفيذ أجندات خارجية كي تضمن بقاءها في السلطة.
في القضية الرابعة، ما يزال العرب والمسلمون يلجؤون إلى إنتاج النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية من داخل الصندوق نفسه، وهي عملية أشبه بـ"التدوير"، تمنع من دخول "قادمين جدد" إليها، ما يؤدي إلى غياب العدالة، وعدم تكافؤ الفرص، ليس فقط في أمور النخب السياسية والوظائف العليا، بل أيضا في تسهيلات تكوين رأس المال في التجارة والصناعة، فالتسهيلات لا يتم منحها على أسس واضحة، بل تخضع لمنظومة الشللية والمحسوبية، ناهيك عن أن الوظائف العليا في الدولة غالبا ما تكون أشبه بـ"الميراث" الذي يدور ضمن عائلات أو نخب بعينها، ويحرم منها المواطن العادي.
ضعف التعليم خلل آخر تعاني منه هذه البلدان، فالعالم الثالث الذي انفتح على التعليم منذ خمسينيات القرن الماضي، ووجهه نحو حاجات مجتمعاته الأساسية في البداية، لم يستطع بناء منظومة مستدامة تخدم الحاضر وتستشرف المستقبل، لذلك وقع التعليم في فخ إنتاج "حملة الشهادات"، بينما أدى اللجوء إلى استقصاء الكم إلى تخريج ملايين الطلبة غير المؤهلين لسوق العمل، أو الذين لا تمت اختصاصاتهم بصلة لحاجات مجتمعاتهم، خصوصا مع ضعف مخرجات التعليم في الأساس، واعتماد مبادئ التلقين، وغض الطرف عن التدريب على أساسيات البحث العلمي الرصين.
وفي الوقت الذي يحتاج إصلاح التعليم إلى مجرد قرارات يتم تنفيذها بصرامة، فإن التخلص من التبعية -الآفة الرئيسية- يحتاج إلى سياسات اقتصادية تكرس الاعتماد على الذات وصولا إلى الاكتفاء، وعدم الارتهان لضغوطات الخارج. أما التخلف، فيحتاج إلى بناء منظومة ثقافية طويلة الأمد يتم خلالها العمل على المخيال المجتمعي لبناء منظومة قيمية جديدة، وهي ستكون كفيلة بـ"تفتيت" النخب الاستحواذية القائمة، ما يؤدي إلى بناء مجتمع العدالة والمساواة، أو دولة المواطنة.

التعليق