تيسير محمود العميري

احتراف أوروبا و"انحراف" العرب

تم نشره في الأربعاء 29 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

تشير الأزمة التي وقعت مؤخرا بين النجم المصري محمد صلاح واتحاد كرة القدم في بلاده، إلى أن خللا كبيرا يصيب العلاقة بين الطرفين، ربما يعود سببه إلى أن اللاعب الذي يمارس الاحتراف الحقيقي في نادي ليفربول الانجليزي، يصطدم بـ"عقلية الهواية" التي ما تزال تفرض كلمتها في الملاعب العربية، حتى وان طبق العرب في ملاعبهم "عناوين" الاحتراف وليس تفاصيله الدقيقة.
"الجمهور عايز كدة".. وبمعنى آخر "ما يطلبه الجمهور".. ذلك ما يشغل بال المعنيين بشأن الكرة العربية.. ليس من الضروري أن ينام اللاعب مبكرا لكي يصحو نشيطا فيذهب إلى التدريب أو المباراة بكامل لياقته البدنية وحضوره الذهني!.. ليس من الضروري أن يغلق اللاعب باب غرفته بل يجب أن يتركه مفتوحا لمن يريد المصافحة و"المحاضنة" و"التقبيل" والتقاط الصور التذكارية "سيلفي"!.. ليس مهما أن يتمتع اللاعب بخصوصيته، فالجمهور بكافة أطيافه يجب أن يحظى بـ"الضيافة" ولا بأس لو أن اللاعب بقي حتى الصباح يطلق الابتسامات ويتبادل الكلمات، ثم يذهب إلى الملعب متثاقلا ومتثائبا وخائر القوى!.
الفرق بين الكرة الأوروبية وحتى في أميركا الجنوبية وبين الكرة العربية، أن الاحتراف هناك يطبق بحذافيره،  فلا مجال للمجاملات والواسطات و"تبويس اللحى" وفرض النفس على الآخرين.. القانون يطبق على الجميع.. هناك متسع من الوقت للجمهور والإعلام كي يحظى بالمقابلات والصور التذكارية، لا يمكن لأحد التطفل على اللاعبين والمدربين مهما كان شأنه.
لكن الحال في الملاعب العربية يختلف تماما.. "إكرام الضيف واجب"، ومن حضر للسلام على اللاعب حتى في ساعات الفجر من حقه أن يحظى بواجب الضيافة.. لا بأس لو شعر اللاعب بالضجر والارهاق، المهم أن لا يغضب السياسي والفنان ورجل الاعمال والمتفرج العادي.
لذلك ثمة فرق كبير بين الاحتراف في الملاعب الاوروبية، وإن جاز التعبير "الانحراف" في الملاعب العربية، ولأجل ذلك تبقى الهوة كبيرة بين الكرتين، وتبقى الكرة العربية محدودة الإنجازات.. القاعدة هي الفشل.. والإنجاز يعد استثناء.
من الغريب أن المواطن العربي حين يسافر إلى بلدان أوروبية يحترم "مكرها" أنظمتها وقوانينها ويصبح "أنموذجا" يحتذى به، وعندما يعود إلى بلاده تتغير الصورة تماما، فيصبح الممنوع مرغوبا به، و"تعود حليمة لعادتها القديمة"... هذه مشكلتنا العربية الأزلية.

التعليق