موفق ملكاوي

مقاومة أيديولوجيا التعلم من الشاشة

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2018. 12:05 صباحاً

في مقاله المطول المهم، والمنشور الشهر الحالي في موقع world of ideas، يشير الأستاذ المشارك في جامعة فوردهام في نيويورك نيكولاس تامبيو، إلى خلل كبير طرأ على عملية التعلم خلال العقود القليلة الماضية، وهو يعيد هذا الخلل إلى "التحريض" المستمر من قبل باحثين ومؤسسات تعليم وشركات على الاعتماد بشكل أكبر على التعلم عند طريق الشاشة.
قد يبدو مثل هذا الكلام مستهجنا بالنسبة إلى مجتمعنا الذي يريد أن يقفز قفزات كبيرة في الهواء، وأن يحطم المفاهيم الكلاسيكية المتعارف عليها في عمليتي التعليم والتعلم، وصولا إلى الصفوف الذكية والتعلم الذاتي. لكن تامبيو يمتلك وجهة نظر عميقة للتعلم القائم على الحواس، وليس فقط على العقل كما تذهب النظرية الغربية، فهو يرى أن "الأطفال يتعلمون أكثر عندما يتفاعلون مع جسدهم بالكامل في تجربة ذات معنى أكثر مما يجلسون أمام الكمبيوتر".
التعلم عن طريق الشاشة يقصي طرقا أخرى أكثر شفافية لاكتشاف العالم، فالبشر يتعلمون بواسطة العين والأذن والأنف والفم والجلد والقلب واليدين والقدمين، لذلك فهو يطالب المدارس بالتقليل من وضع الطلبة أمام الشاشات، وزيادة مساحة الوقت المخصص للرحلات الميدانية والأعمال اليدوية المهارية، والتدريب على إعادة العلاقة مع الكتاب الورقي، وهو ما يسميه "تجارب غنية تجذب أجسادهم بالكامل".
تامبيو يعيد السبب وراء تبني الكثيرين لأيديولوجية التعلم عن طريق الشاشة إلى الخلل الذي أحدثته كلاسيكيات الفلسفة الأوروبية، والتي منحت أولوية "الرؤية" على "الفعل" كطريق للفهم، مفترضة وجود فجوة أساسية بين الذات المفكرة والجسم المادي، وهو ما يؤكد أن الفكر الغربي افترض أن العقل، وليس الجسد، هو موقع التفكير والتعلم. لكن تامبيو يستشهد بالفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتيي، في كتابة "ظواهر التصور"، حين يؤكد أن "التفكير البشري يخرج من التجربة الحية"، وأن ما يمكن فعله بأجسادنا يؤسس بشكل عميق لما يعتقده الفلاسفة أو يكتشفه العلماء، وأن "عالم العلم بأكمله مبني على العالم الحي".
ويذهب تامبيو إلى دراسات عالم آخر هو ماركوس هولمز، في كتابه "الدبلوماسية وجهاً لوجه: العلوم العصبية الاجتماعية والعلاقات الدولية" (2018)، والذي يعتمد فيه على أبحاث فلسفة العقل والعلوم المعرفية وعلم الأعصاب الاجتماعي، ليجادل بأن التواجد الفيزيائي المشترك أمر ضروري لتوليد الثقة والتعاطف بين البشر.
التكنولوجيا الجديدة تتيح الاتصال والدردشة عبر الفيديو بشكل جيد، ولكنها تولد طاقة عاطفية أقل من مشاركة مساحة فعلية مع المعلمين والطلبة الآخرين، كما أنها تقلل من الثقة بالآخرين، ولا تعلم التعرف على ردود الفعل الحية أو لغة الجسد، كما لا تؤدي إلى تشكيل روابط معينة مع الآخرين. ولكن التقاء الناس بشكل مباشر يحقق درجة عالية من الثقة والترابط الاجتماعي وتوليد الطاقة العاطفية والغبطة والقوة والحماسة والمبادرة.
ينتقد تامبيو تقرير "حقوق الطفل في العصر الرقمي 2014"، الذي أعده فريق باحثين أستراليين بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ويلمح إلى أن الأسئلة التي تليت على الأطفال من ثماني لغات، كانت موجهة للخروج بنتيجة معدة سلفا، وهي "نحن بحاجة إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان تمكين جميع الأطفال من جني فرص الوصول الرقمي".
ويبدو تامبيو متشائما من المستقبل، ومن القدرة على تغيير الفهم لدى الناس حول مساوئ التعلم عن طريق الشاشات، فهو يرى أن "الانجراف نحو تعلم الشاشة أمر لا مفر منه، فقط، إذا لم يفعل الناس أي شيء لوقفه".
ولمزيد من الإطلاع، أرفق رابط المقال الواسع
http://cutt.us/MPoJE

التعليق