الدين جميل بأهله

تم نشره في الجمعة 31 آب / أغسطس 2018. 12:07 صباحاً

يُعد جودون ألبورت أحد أعظم علماء النفس في القرن العشرين والباحثين في أعماقها وأسرارها وبخاصة موضوع التحيز. وكشفت بحوثه عن نوعين من التدين أو الالتزام الديني: تَدّين أو التزام خارجي، وتدين أو التزام داخلي. وعرف الأول بأنه "التدين الخارجي أو التظاهري" (أو التمثيلي كما أحب أن أسميه) ويدور حول الذات وليس حول الله، فالذهاب إلى الكنيسة أو المعبد أو الجامع عند أصحاب هذا التدين، وسيلة إلى غاية؛ أي لما يمكن أن يحصل المتدين عليه ويستفيد منه، من مثل أن يراه الناس يذهب إلى هناك، لأن الذهاب معيار اجتماعي، ومن يلتزم به يحصل على احترام المجتمع. الذهاب إلى هناك يصبح بمثابة نفاق اجتماعي، فعندما يراه الناس يؤدي شعائر الدين بصورة منتظمة يثقون به، ويعتقدون أنه يمكنهم تصديقه والاعتماد عليه، فيكافأ ويفوز لأن هدفه الحقيقي الانتماء إلى جماعة والكسب من وراء ذلك. الدين عند هؤلاء مجرد بزنس اجتماعي وتجاري وسياسي كاستغلال وابتزاز الناخبين البسطاء به للفوز في الانتخابات.

لعلّ الذين يذهبون إلى الجامع لصلاة يوم الجمعة ويصفون سياراتهم بعكس اتجاه السير هم من هذا النوع، وكأنهم يطلبون أو يأخذون ثمناً من المجتمع بحقهم في مخالفة القانون مقابل تدينهم. إنهم أصحاب الصوت العالي الذين يتظاهرون بالتمسك الشديد بالدين والدفاع عنه، ويهاجمون الآخرين ويكفرونهم.

أما التدين الذاتي أو الإيمان الداخلي فمختلف جداً، لأن الملتزم به يرى أن دينه غاية في حد ذاته فلا يتوقع أو يطلب من أحد أو من المجتمع عليه أجراً أو مكافأة، لأنه لا يريد شيئاً مقابل هذا الالتزام. الدين عنده هو المبدأ المنظم لحياته الشخصية والأساسية بل المركزية. الدين جميل بهؤلاء. الدين جميل بأهله، فأنت لا ترى الشنتوية أو البوذية في اليابان بل ترى الناس وسلوكهم ومعاملاتهم، وهكذا.

وتبيّن لألبورت أن التحيز/التعصب أكثر شيوعاً عند ذوي التدين الخارجي، منه عند ذوي التدين الداخلي، وأن المتدين الداخلي يعاني قلقاً وضيقاً وشعوراً بالذنب أقل من المتدين الخارجي وأكثر تكيفاً مع المجتمع وأقل كآبة. بينما يزداد الميل نحو ارتكاب الذنوب والشعور بالقلق والكدر عند المتدين التظاهري.

******

في نهاية موعظته، قال القس براد بيغني المؤمن حرفياً بما جاء في التوراة: لا حاجة لأي واحد في هذه الكنيسة أن يقلق أبداً، فالقلق غير ضروري. وإذا قلق أي واحد منكم، فإنه ليس سوى ملحد. ويعني أن الإيمان بالله يحل جميع المشكلات بصورة مرضية. وبينما كان يعظ بحماسة ألقى أحد الحضور صندوقاً من الثعابين ذات الصليل على المنبر، فانحنى الراعي والتقط واحدة منها ورفعها عالياً تتلوى فوق رأسه. ولما لم تلدغه طالب الحضور بتقليده مستشهداً بأقوال المسيح "هذه العلامات ستتبع هؤلاء الذين يؤمنون. سيرفعون الثعابين".

وانتشرت الأخبار في المنطقة، وانضم آخرون إلى الإمساك بالثعابين، ومنذئذ مات بسمومها 120 شخصاً في الكنائس. كان المصابون يرفضون أي مساعدة طبية، مفضلين الإيمان بالتدخل الإلهي لإنقاذهم.

راعي الكنيسة نفسه مات بالسم سنة 1955، ومنعت الحكومة الفيدرالية هذه الممارسة، إلا أنها ما تزال قائمة في أجزاء من الولايات المتحدة. آخر راعي كنيسة مات بعضة حية في 1998 في شمال ألباما. وفي اليوم نفسه في تنشي كان راعٍ آخر يرفع حية كبيرة في أثناء موعظته، فعضته بإصبعه فمات، بعد موت زوجته بثلاث سنوات التي ماتت بعضة حية لها في الكنيسة نفسها. تاركين وراءهما خمسة أطفال، ومع هذا تستمر هذه اللعبة الدينية هناك إلى هذه الساعة.

وهكذا يتبين الارتباط الساذج واضحاً بين الدين والمرض العقلي، حسب ما يقول الطبيب والمفكر روبرت ونستون عند التقليديين المتدينين من الخارج والذين يذهبون إلى الكنيسة أكثر من غيرهم.

التعليق