مخاطر قول "الله أكبر" علناً في أميركا

تم نشره في السبت 1 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

خالد بيضون* – (نيويورك تايمز) 25/8/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت "الله أكبر" هي آخر الكلمات التي نطقتها على الهاتف قبل إنهاء حديثي مع أمي بينما أقف في الطابور الأمني في مطار ديترويت. كان ذلك يوم عيد الأضحى، أقدس المناسبات الإسلامية. وبعد إغلاق الهاتف، شعرت مباشرة بالتحديقات في ظهري؛ بثقل شك مفترض يُطبِق عليّ. وأدركتُ أن عبارة "الله أكبر" التي استخدمتها بشكل عرَضي تماماً، عنت شيئاً مختلفاً جداً لأولئك الذين سمعوها من حولي. وبوصفي رجلاً ملتحياً أسمر البشرة، أشّر خروج عبارة "الله أكبر" من بين شفتيّ على أنني أصبحت تهديداً إرهابياً محتملاً. وشرع ذلك الشعور المألوف بالذنب بالزحف علي، حتى مع أنني عرفت أنني لم أفعل أو أقُل شيئاً خاطئاً.
تشكل عبارة "الله أكبر" جزءاً جوهرياً من اللغة الدارجة لكل أميركي مسلم. وينطقها بلا انقطاع العرب المسلمون والمسلمون، المتدينون وغير المتدينين، من كل عرق وجنسية. وفي الحقيقة، تصدر هذه العبارة عن أفواه العرب المسيحيين بنفس التكرار الذي ينطقها به المسلمون تقريباً. وهي إعلان عن التسليم والإخلاص اللذين يتّسمان بقبول عالمي وعابر للأديان. وقد ردد هذه العبارة ملايين المسلمين الأميركيين الذين احتفلوا بعيد الأضحى في كل أنحاء البلد، الذين أعلنوا "الله أكبر" للتعبير خضوعهم لله بينما يؤدون صلاة العيد.
في حين خلقت إدارة ترامب مناخاً كثيفاً من رهاب الإسلام في الولايات المتحدة، فإن الجذور التي تسمع بالخلط بين التعبيرات عن عظمة الله وبين الإرهاب هي بعمر قرون في أميركا. وقبل وقت طويل من إعلان ترامب أن "الإسلام يكرهنا"، أو تأييد المحكمة العليا الأمر الرئاسي التنفيذي الذي يُطلق عليه على نطاق واسع اسم "حظر المسلمين"، نظرت المحاكم الأميركية باستمرار إلى الإسلام باعتباره أنه "دين معادٍ" والذي يتناقض مع الديمقراطية ومفهوم المواطَنة الأميركيين.
من سياسة الدولة إلى الصحف المطبوعة والتلفاز والفيلم، رُبطت اللغة العربية بشكل وثيق بالإرهاب. وتتسبب العبارات الروتينية في هذه اللغة، مثل "إن شاء الله"، أو التحية مثل "السلام عليكم" بإثارة المخاوف والقلق. وقد تم إخراج مسلمين من الطائرات، وتعرضوا لاستهداف المتعصبين ودعاة الكراهية، ووصِموا في المطارات وخارجها بسبب قولهم هذه العبارات، التي تُصنف على أنها مهدِّدة ومقرونة بالذنب. وإنما شيء منها يُستغل أكثر من عبارة "الله أكبر"، التي أصبحت حاضراً ثاباً في تغطيات الإعلام المحافظ للشرق الأوسط، وفي صيد الساحرات الذي تمارسه مؤسسات الأمن القومي المحلي –وبشكل بارز جداً، في أفلام هوليوود. وقد عملت هذه التحريفات المتكررة والطاغية على تجريد العبارة من معانيها الدينية والروتينية، وأحلت محلها فهماً شعبياً يقوم على أن "الله أكبر" تنذر بوجود قنبلة، أو بهجوم أو تشير إلى تطرف محلي.
في تشرين الثاني (نوفمبر)، كتب إيريك ناغورني في صحيفة "نيويورك تايمز" أن عبارة "الله أكبر" قد "استولى عليها الجهاديون الذين يزعمون أن الإسلام يبرر هجماتهم على المدنيين الأبرياء باسم الله". وكتب ناغورني أن العبارة "شُوهت بالهجمات" التي ارتكبها إرهابيون مسلمون. وقد يكون هذا صحيحاً في جزء منه، لكن إسناد المسؤولية بشكل حصري إلى الإرهابيين المسلمين –الحقيقيين أو المتخيَّلين- من دون توجيه أي لوم إلى السياسة الرجعية، ووسائل الإعلام الجماهيرية ورهاب الإسلام، إنما يتجاهل الكثير من أسباب المشكلة. فقد تعرضت عبارة "الله أكبر" للاحتكار والاستغلال من مذيعي محطات التلفزة، من أشباه بيل أورييلي وبيل ماهر، الذين استخدموها كرمز للرعب القادم، وتم تصويرها كمجاز سينمائي تافه ومبتذل، والذي يعلن عن عملية اختطاف أو تفجير انتحاري في أفلام مثل "القرار التنفيذي" و"القناص الأميركي"، وفي سلسلة طويلة من الأفلام القديمة والجديدة التي سجلت أرقاماً كبيرة في شبابيك التذاكر.
بينما كنت أقف في المطار، محاولاً تحاشي النظرات غير الودية واحتمال مواجهة المزيد من الاستجواب، تساءلت عما إذا كان الامتناع الواعي عن التحدث بالعربية سيكون الخيار الأسلم. ومن المؤكد أن الامتناع عن قول "الله أكبر" في الفضاءات العامة، وخاصة المطارات، سوف يقلل من التحديقات المتشككة التي واجهتني، أو ما هو أسوأ، العنف البغيض الذي عادة ما تستدعيه هذه العبارة في الولايات المتحدة. أم، هل أختار المسار المعاكس: أن أؤكد بطريقة غير اعتذارية عن هويتي الأميركية الإسلامية بأكبر قدر ممكن من الأصالة، كما يسمح لي التعديل الأول في الدستور أن أفعل؟ وبدا أن الخيار الأخير، بالتأكيد، هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله، وهو الموقف الذي اتخذه عادة. ومع ذلك، فإن "التصرف كمسلم" والنطق العلني بأكثر إعلانات الإسلام جوهرية يمكن أن يكون مقترحاً خطيراً في أميركا ترامب، وخاصة بالنسبة للمهاجرين، والشرائح غير المسجلة التي لا تملك الوثائق أو الفقيرة من السكان، والمسلمين الآخرين الذين لا يحملون شهادة في القانون أو يمتلكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم كما أفعل أنا.
بالنسبة للمسلمين في أميركا، فإننا مرتبطون وجودياً بضرورة الملاحة والإبحار للخروج من هذا التوتر، وموازنة رغبة المرء في أن يكون طباقاً لنفسه بحرية في مقابل الرغبة في حماية نفسه من الأذى. إن الخوف من الإسلام يقيد الممارسة الحرة للدين ويَصِم الكلام. لكن اختيار عدم الخضوع له والتمرد عليه عن طريق إعلان "الله أكبر" هو في الوقت نفسه عمل صائب وواقع ناهض بين مجموعة متنامية من المسلمين الذين يواجهون الكراهية مباشرة. وقد صعدتُ إلى طائرتي وقمتُ برحلتي، فخوراً بأن أعُد نفسي من بين هؤلاء. وسوف أستمر في قول "الله أكبر".

*أستاذ في كلية الحقوق بجامعة آركنسان-فايتيفيل، ومؤلف كتاب "رهاب الإسلام الأميركي: فهم جذور الخوف وصعوده".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The perils of saying ‘Allahu Akbar’ in public

التعليق