بغداد والمسألة اليهودية

تم نشره في السبت 1 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

معاريف

جاكي خوجي

31/8/2018

تجري في العراق هذه الأيام مناقشات جماهيرية مثيرة لاهتمام شديد لمئات آلاف الإسرائيليين. وكل ذلك بفضل إرفين شوكر، من مواليد بغداد. فقد أجرت القناة التلفزيونية الأميركية بالعربية "الحرة" مقابلة باللغة العربية مع شوكر الذي توجه إلى الحكومة العراقية بطلب لاعادة المواطنة العراقية لليهود. ووصلت اقواله إلى بغداد ونمت لها أجنحة. شوكر ليس فقط عراقيا، بل هو يهودي بريطاني أيضا. ومنذ عشرات السنين وهو يسكن في لندن، حيث أنشأ عائلته. ويعمل كنائب رئيس مجلس أمناء يهود بريطانيا. في بداية الخمسينيات مع هجرة اليهود من العراق، وكخطوة ثأرية، سحبت المملكة العراقية منهم مواطنته. اما شوكر فيطلب اصلاح الظلم.
"أبي اعطاني هدية، هويتي، التي تلقاها هو أيضا من أبيه"، قال في المقابلة. "هذه الهدية ورثناها منذ 2.600 سنة من الاب إلى الابن دون توقف. واريد أن امنحها لابنائي". وروى بانه قريبا سيرفع التماس إلى المحكمة الفيدرالية العليا في بغداد بطلب استعادة المواطنة. "منذ 2003 في كل مرة كنا نطلب فيها ذلك يقولون لنا انتظروا قليلا، فالشعب سيستصعب قبول ذلك. وفي هذه الاثناء تنقضي السنوات. حان الوقت للتوجه إلى الهيئات القضائية".
سيكون شوكر أحد المشاركين في الالتماس الذي سيشارك فيه أيضا غير يهود يؤيدون نداءه. وتحمل هذه المسألة معاني تاريخية، ثقافية، سياسية بل واقتصادية. ولكنها في هذه المرحلة تخلق معضلة قضائية أساسا. فالدستور العراقي الذي وقع في العام 2005 يقضي بان العراقي هو من ولد لاب عراقي أو لام عراقية وأن الأمر منصوص عليه في القانون. كما تقول المادة 18 من الدستور في أنه لا يمكن سحب المواطنة ممن ولد عراقيا، لاي سبب كان، وكل من سحبت منه من حقه ان يستردها على أن ينص القانون على ذلك. ووفقا لهذه المادة فإن يهود بابل جميعا، ابناءهم وانسالهم، يستحقون المواطنة تلقائيا. المشكلة هي ان المادة 18 تصطدم بسجل القوانين.
يتضمن القانون العراقي سلسلة مواد مناهضة لليهود تبلورت ببطء منذ الخمسينيات وحتى عهد صدام. احد هذه القوانين هو "قانون الرقابة والادارة لاموال اليهود ممن سحبت مواطنتهم العراقية"، والذي عدل آخر مرة في العام 1963. ويقضي هذا القانون بان سحب المواطنة في تلك السنوات، 1950 و1951 لا تمنح اليهود الحق بالمواطنة. قانون آخر يقول ان اليهودي الذي حصل على مواطنة اخرى تسحب منه مواطنته العراقية.
ورغم ذلك، أثبتت بغداد هذا الاسبوع بانها ليست لامبالية تجاه المسألة اليهودية. رائد فهمي، احد المرشحين لرئاسة الحكومة، أعرب عن تأييده لحقهم في تلقي المواطنة. فهمي ليس شخصية هامشية. فهو خريج السوربون في باريس ومدرسة الاقتصاد في لندن. كل حياته الراشدة كان عضوا في الحزب الشيوعي الذي لاحقه صدام. وبعد اسقاط الطاغية في 2003 انخرط في الحياة السياسية. في شهر ايار جرت هناك انتخابات، وإلى المكان الاول وصل "مواصلو الاصلاح"، كتلة من سبعة احزاب بقيادة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر. ولا تزال المحادثات لتشكيل الائتلاف متواصلة، بأعصاب متوترة. اذا نجح رؤساء "مواصلو الاصلاح" في ترجمة انجازاتهم في الانتخابات إلى انتصار سياسي، فسيعين فهمي رئيسا للوزراء.
في مقابلة صحفية قال فهمي ان للعراق التزاما تجاه اليهود. ولهذا يجب دراسة الموضوع جيدا. واشار إلى انه "من ناحية مبدئية واخلاقية، نحن نؤيد منح الحقوق لكل مواطن، بمن فيهم اليهود. جيد أن يجري بحث اجتماعي في المسألة يؤدي إلى نتيجة منطقية وبعيدة عن التطرف".
تحدث فهمي بحذر شديد. فقد اجتهد للإعراب عن تأييد للفكرة ولكنه لم يتخذ صورة من يتحفز لتشجيعها. وشدد على أن "توقيت البحث في مسألة اعادة المواطنة لليهود ليس ملائما". او بتعبير آخر، لم ينضج الأمر بعد. وفي اقواله هذه اشار فهمي إلى الفيل الذي في الغرفة: معظم يهود العراق يسكنون في إسرائيل، ومنح مواطنة عراقية لليهود الذين غادروا معناه اضافة مئات آلاف الإسرائيليين إلى السجل السكاني. خطوة كهذه ستستقبل بعين العطف من ملايين العراقيين، ولكن الجيران لن يسمحوا بالتغيير بسهولة. فإيران تجلس على دجلة، وقدميها مغروستان عميقا بالسياسة العراقية.
احد لا يعتقد أنه بأصلاح الظلم سيعود جموع اليهود إلى المدن التي نزحوا عنها. ولكن العراق اليوم يبني نفسه من جديد. ويعرف ابناؤه جيدا بان اليهود مجربون في بناء الدولة، وهو يتمنى أن يأتوا للمساعدة في جهوده، على الاقل بالعلم وبالمشورة. اما اليهود من جهتهم فيريدون للجرح الذي فتح في قلوبهم ان يلتئم في يوم من الايام. وهناك بينهم من يتمنون استعادة الممتلكات التي تركوها وراءهم.
فما الذي ستقرره المحكمة الفيدرالية العليا إذن، اذا ما طرحت المسألة أمامها؟ في العراق أيضا ينصت القضاة لميل النخب، وهم يعرفون بان قرارا كهذا سيحدث عاصفة في صفوف المعسكر المؤيد لإيران. وعليه فستكون مفاجأة كبرى اذا ما أمروا باعادة مواطنة اليهود لهم فورا. ومع ذلك، فإن المحكمة الفيدرالية هي حامية الدستور. وحسب السيناريو المعقول جدا، فسيقبل القضاة الالتماس، ولكنهم سيأمرون السلطة التشريعية بالشروع باجراء تعديل القوانين. ومن تلك اللحظة ستنتقل الكرة إلى البرلمان. هناك يمكن للمشرعين أن يتحكموا بالجدول الزمني لعملية التشريع وتسريعها ان شاءوا، أو التسويف فيها. كل هذا وفقا للتطورات السياسية.
نهرا بابل، حيث أقمنا وبكينا، سينتظران قليلا.

التعليق