الاتفاق الدولي ومصير إدلب

تم نشره في الجمعة 31 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • مقاتلون من جبهة النصرة على دبابة في محافظة إدلب السورية الشمالية - (أرشيفية)

هآرتس

تسفي بارئيل

31/8/2018

حوالي 1.5 مليون مواطن سوري، وحوالي مليون منهم مهجرون، ينتظرون بخوف الهجوم الكبير الذي يخطط له الجيش السوري على مدينة إدلب ومحيطها. الأمم المتحدة سبق لها وارسلت تحذيرا شديدا بأن الهجوم على إدلب سيؤدي إلى هرب حوالي 800 ألف شخص. الولايات المتحدة تحاول التنسيق مع روسيا خطة من التفاهمات مع المتمردين الذين يسيطرون على إدلب من اجل منع هجوم عسكري. ولكن هذه الجهود فشلت حتى الآن. في نفس الوقت، تدير روسيا مفاوضات مستقلة مع قيادات الميليشيات، سوية مع شريكتها تركيا، من اجل ايجاد حل يمنع الهجوم.
إدلب تعتبر المعقل المهم الأخير للمتمردين الذي تجمعوا فيها من ارجاء الدولة خلال السنوات الثماني للحرب. اتفاقات وقف اطلاق النار التي بادرت اليها سورية مع ميليشيات المتمردين في جنوب سورية وحلب وحماة ومدن اخرى، تضمنت من بين ما تضمنته، بنود تسمح لمقاتلي الميليشيات الانتقال مع سلاحهم إلى إدلب، التي تحولت إلى هدف حصين، لكل ميليشيا فيه منطقة سيطرة خاصة بها. عدد من الميليشيات سبق ووافقت على إجراء مفاوضات مع الروس، وحتى أنه لعدد منها اقترح الاندماج في الجيش السوري، لكن ميليشيات اخرى أعلنت انها سترفض أي مفاوضات مع النظام أو مع روسيا.
بالتحديد جبهة النصرة المتفرعة عن القاعدة والتي تعتبر منظمة إرهابية من قبل كل الأطراف، اوضحت أنها مستعدة لإجراء مفاوضات والتعاون، لكن بدون موافقة كل الميليشيات من المشكوك فيه أن تكون إمكانية لمنع القوات السورية من السيطرة العنيفة على المدينة. وبهذا انهاء مرحلة المواجهات العسكرية الكبيرة والانتقال إلى العمليات الدبلوماسية.
السؤال الرئيسي هو هل المعركة على إدلب ستبكر هذه اللقاءات أو أنها ستجري في ظلها. الاسد من ناحيته لا ينتظر وهو يحرك قواته نحو ادلب. زيارة وزير الدفاع الإيراني، احمد خاتمي إلى دمشق في هذا الأسبوع هدفت، ضمن أمور اخرى، تنسيق الخطوات العسكرية المتوقعة في المنطقة. في إسرائيل والغرب اهتزوا حقا من التصريح العلني عن الاتفاق الذي وقع بين سورية وإيران من اجل اعادة بناء الجيش السوري على أيدي إيران، لكن حسب اقوال الملحق العسكري الإيراني في دمشق، أبو قاسم علي نجاد، فإن الحديث يدور فقط عن المرحلة الأولى من المساعدة في اخلاء حقول الالغام، واقتراح بناء مصانع لانتاج السلاح في سورية.
خاتمي هو وزير الدفاع الإيراني الأول منذ عشرين سنة الذي لم يأت من صفوف حرس الثورة. لقد تم تعيينه في منصبه من قبل الرئيس حسن روحاني بسبب الخلاف الشديد الذي ثار بينه وبين قيادة حرس الثورة حول السيطرة على موارد الدولة الاقتصادية، والضرر الذي أصاب الدولة بسبب سيطرة حرس الثورة الإيراني على أكثر من نصف اقتصاد إيران. روحاني قرر بناء على ذلك اقالة وزير الدفاع السابق، حسين دوخان الذي هو من حرس الثورة، والذي عين مستشارا للزعيم الاعلى علي خامنئي لشؤون الانتاج الحربي، بل واعلن أنه ينوي التنافس في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في العام 2021 "من اجل انقاذ الدولة". هذا لا يعني أن خاتمي يتفق تماما في كل الأمور مع الرئيس، لكن خلافا لسلفه، هو ينسق معه خططه العسكرية.
يجدر التعامل مع تصريحات خاتمي بشأن إعادة تأهيل الجيش السوري بتشكك. بالأساس بسبب التكلفة العالية التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات. خزينة إيران الغارقة في أزمة اقتصادية عميقة ستجد صعوبة في أن تتحمل وحدها هذه التكاليف. كما أن سورية هي اصلا مدينة لإيران بـ 6 مليارات دولار مقابل خطوط الاعتماد التي وفرتها لها إيران، اضافة إلى تكلفة تدخلها العسكري في سورية واليمن والتي تقدر بـ 16 مليار دولار.
أيضا الخوف من أن يمتزج الجنود الإيرانيون أو الميليشيات المؤيدة لإيران داخل الجيش السوري، يثير التساؤلات. من سيقود وحدات مختلطة كهذه التي فيها عدد من المقاتلين لا يتحدثون العربية؟ هل القيادة السورية ستوافق على اقامة وحدات إيرانية منفصلة تتلقى اوامرها من قادة إيرانيين؟ لا يمكن أيضا مقارنة المليشيات الشيعية العاملة في العراق بالتمويل والتدريب الإيراني لتلك التي ربما ستقام في سورية، حيث أنه في العراق هم مواطنون عراقيون تجندوا للمليشيات في حين أنهم في سورية سيكونون جنود أجانب.
اضافة إلى ذلك، مطروح على الطاولة اقتراح روسي لمزج مقاتلي المليشيات المتمردة الذين سيوافقون على ذلك في صفوف الجيش السوري. هؤلاء المقاتلون بالتأكيد لن يوافقوا على الخدمة في جيش تشارك فيه وحدات إيرانية.
حسب اقوال جون بولتن، المستشار الأميركي للامن القومي، فإن روسيا اقترحت اجراء "اعادة انتشار" للقوات الإيرانية مقابل أن تسحب الولايات المتحدة جنودها من اراضي سورية. لقد كشف بولتن أيضا أن نظيره الروسي طلب منه أن يطرح خطة حدود أميركية يحدد فيها الأميركيون أين هم مستعدون أن يتم تمركز القوات الإيرانية. أي أنه لن يكون انسحاب إيراني كامل، بل فقط تحديد لمناطق التواجد.
بولتن اوضح أنه رفض الاقتراح وأن الولايات المتحدة متمسكة بموقفها بأنه على كل القوات الإيرانية الانسحاب. ردا على ذلك خرجت المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الروسية، ماريا زخاروفا، بتصريح هجومي قالت فيه إن على قوات الولايات المتحدة أن تخرج أولا من سورية قبل أن تطلب الولايات المتحدة خروج قوات اخرى. "أين وكيف ولأي هدف تنتشر القوات الأميركية في سورية؟ على أي قاعدة ومع من اتفقت على دخولها إلى سورية؟"، سألت زخاروفا.
في موازاة ذلك، اتهم متحدثون روس الولايات المتحدة بأنها تمنح رعايتها لآلاف مقاتلي داعش وارهابيين آخرين في منطقة خلف حدود تنف، التي تسيطر عليها القوات الأميركية. يبدو أيضا أن تحذيرات إسرائيل بأنها ستعمل ضد الوجود الإيراني في سورية لا تؤثر في الوقت الحالي على روسيا، لكن استعداد روسيا لعقد صفقة متبادل تتمثل في سحب القوات الأميركية مقابل سحب القوات الإيرانية، تدل على أن إيران لا يمكنها الاعتماد على شريكتها روسيا في كل الازمات. اضافة إلى ذلك، من الحوار السياسي الذي تديره روسيا مع الادارة الأميركية فإن من شأن إيران الاستنتاج بأن روسيا تستخدمها كورقة مساومة وتستغل بصورة جيدة اعتمادها عليها كاحدى الدول الوحيدة التي رفضت الخضوع للعقوبات الأميركية.
المنافسة مع روسيا على الصعيد المدني في سورية تم حسمها هي أيضا. إيران وقعت حقا قبل حوالي سنة على مذكرة تفاهم لانشاء شبكة هواتف محمولة في سورية، وعلى شراكة في استخراج الفوسفات. ولكن المذكرة بقيت على الورق وما زالت لم تنفذ على الارض. سورية تفضل شراكة تجارية مع الصين وروسيا على الشراكة مع إيران، وهي تستخدم بيروقراطيتها الشديدة من اجل تأخير بل واحباط صفقات تجارية مع إيران.
روسيا، وليس إيران، حصلت على حقوق حصرية لتطوير واعادة اعمار حقول النفط السورية، وانشاء مصافي للنفط وتأهيل عمال سوريين، وهي ستكون الدولة الرائدة في اعادة الاعمار المدني للدولة الذي يقدر بمئات مليارات الدولارات. في المعارض التجارية التي اقيمت في سورية في السنتين الاخيرتين كانت تلك شركات روسية وصينية وآسيوية هي التي حظيت بأفضل الصفقات، في حين أن شركات إيرانية اضطرت للاكتفاء بالفتات. مقابل إيران فإن روسيا تستطيع اقامة شراكة مع شركات غربية وآسيوية ستضمن تسويق النفط السوري عندما يعاد ضخه بكامل القدرة، في حين أن إيران ستجد صعوبة ليس فقط في خلق اتحادات تجارية، بل أيضا في تسويق النفط في الوقت الذي تكون فيه العقوبات الأميركية عليها سارية المفعول.
ولكن الاعتبارات الدولية والمناورات الاستراتيجية التي تشغل الدول العظمى ودول المنطقة لا تقلق سكان ادلب الخائفين. حتى قبل بدء المعركة العسكرية على المدينة ومحيطها، هم خاضعون لسلطة ارهاب مليشيات محلية تقوم بالاختطاف والاعتقال والقتل لمواطنين متهمين بالتعاون مع النظام، أو مساعدة داعش. هم يسمعون تعهد الأسد بـ "تصفية الارهاب في ادلب"، وتصريحات وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف بأنه في لقائه مع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير تعهد بـ "تطهير هذا الدمل" في ادلب.
هم لا يستطيعون توقع أن تقوم القوات المهاجمة وطائرات القصف بالتمييز بين الإرهابيين وبين المدنيين. تركيا التي اقامت في منطقة ادلب عددا من مواقع المراقبة وجزء من مسؤوليتها على تطبيق اتفاق المناطق الآمنة، لا تستطيع أن توفر لهؤلاء المواطنين الحماية المناسبة، وليس هناك أي قوة دولية اخرى يمكنها منع مذبحة متوقعة. بالنسبة لعدد من هؤلاء السكان فإن كل حل دبلوماسي سيأتي متأخرا جدا.

التعليق