إدامة ثلاثي أوروبا الأمني

تم نشره في الاثنين 3 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتوسط المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي – (أرشيفية)

فولكر بيرتيس*

برلين- على الرغم من التوترات المتولدة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقف زعماء فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة معاً في المنازعات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وإذا تسنى الحفاظ على وحدتهم، فإن "الثلاثة الكبار" في أوروبا سيخدمون الاتحاد الأوروبي على أفضل نحو في مستقبل عاصف مضطرب.
يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، قرؤوا من السيناريو نفسه في ما يتصل بانسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران ورفضه للبيان الختامي لمجموعة الدول السبع في حزيران (يونيو). وهم جميعا يستنكرون القرار الذي اتخذه ترامب بنقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل إلى القدس وسحب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقد انتقدوا جميعاً حربه التجارية المتصاعدة مع الصين.
وهذه الوحدة ليست خطابية فحسب. فقد دعمت المملكة المتحدة مؤخراً مشاريع تكامل الاتحاد الأوروبي المرتبطة بالسياسة الخارجية والأمنية -على مستوى أعلى كثيراً مما كانت عليه الحال قبل الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي. ويشمل هذا قرار إنشاء مقر جديد لبعثات التدريب العسكري -التي يعتبرها كثيرون النواة لجيش أوروبي محتمل- في أفريقيا. وكانت بريطانيا تقاوم هذه المبادرة لفترة طويلة من قبل.
يبدو أن ترامب كان المحفز الذي دفع المملكة المتحدة إلى تغيير مسارها. فهناك أدلة مهمة تشير إلى أن ترامب ينظر إلى الاتحاد الأوروبي وبعض بلدانه الأعضاء كخصوم وليس بوصفهم حلفاء. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ستظل الحليف الأكثر أهمية للاتحاد الأوروبي والبلدان الأعضاء الأوروبية في الاتحاد الأوروبي، فإنها مع ذلك لم تعد الحليف الأكثر جدارة بالثقة. وقد حطم هذا التحول الآمال في المملكة المتحدة في أن تكون بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي قادرة على الاستفادة من "علاقتها الخاصة" مع الولايات المتحدة، وقد أوضحت للاتحاد الأوروبي مدى إلحاح الحاجة إلى زيادة استقلالها الاستراتيجي.
في حين سيظل حلف شمال الأطلسي يشكل أهمية بالغة لضمان الأمن الأوروبي، فإن الاتحاد الأوروبي يسعى الآن إلى بناء القدرة على تحديد أولوياته الاستراتيجية، والتصرف وفقاً لذلك إذا استلزم الأمر، سواء بمفرده أو مع شركاء. وسوف يكون تحقيق هذا الهدف، المحدد في "الاستراتيجية العالمية" للاتحاد الأوروبي للعام 2016، أسهل كثيراً في وجود المملكة المتحدة كشريك.
الحقيقة هي أن النفوذ الدولي الذي يتمتع به الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة معاً أكبر من نفوذ كل منهما على حِدة. فالمملكة المتحدة تتمتع بخبرة دبلوماسية كبيرة، ونفوذ دولي، وموارد عسكرية واقتصادية يمكن الاستفادة منها في مشاريع مشتركة، تماما كما قد يساعد دعم الاتحاد الأوروبي في توفير دفعة كبرى لسياسات المملكة المتحدة على المسرح العالمي. وينطبق هذا على المساعي المرتبطة بعناصر فاعلة رئيسية مثل الصين أو روسيا، وأنظمة العقوبات، والاتفاقيات الدولية، والبرامج الاستراتيجية مثل جاليليو، نظام الملاحة الأوروبي عبر الأقمار الصناعية.
ولكن، كيف على وجه التحديد يمكن ربط المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي بقرارات الاتحاد الأوروبي المشتركة بشأن السياسة الخارجية، والأمن، والدفاع؟ هذا ما يجب تحديده بوضوح في اتفاقية الخروج. لكن من الممكن إنشاء صيغة تعطي المملكة المتحدة صوتاً، وإنما ليس حق النقض. ومن ناحية أخرى، لا ينبغي اتخاذ أي قرارات من شأنها أن تمنع أو تقوض التنسيق في مرحلة ما بعد الخروج بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في ما يتصل بمواقف السياسة الخارجية، وتصرفاتها، وأدواتها. وعلاوة على ذلك، يمكن اتخاذ خطوت اليوم لتعزيز الروابط بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
وهنا يشكل التعاون بين الثلاثة الكبار، بشكل خاص، أمراً بالغ الأهمية. فقد أثبتت مجموعة الثلاثة الكبار إمكاناتها بالفعل، حيث بدأت المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي في أوائل العام 2003، وأصبحت نواة الثلاثة الكبار+3 (الصين وروسيا والولايات المتحدة)، التي أبرمت -جنباً إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي- خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران في العام 2015.
وفي أعقاب القرار الذي اتخذه ترامب بسحب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، سوف يثبت الثلاثة الكبار -ومعهم الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية- كونهم عنصراً بالغ الأهمية لإنقاذ خطة العمل، وتطوير حلول أوسع نطاقاً في التعامل مع إيران. لكن مجموعة الثلاثة الكبار تستطيع أن تلعب دوراً مهماً في مجالات أخرى أيضاً، بما في ذلك الصراعات في سورية واليمن، والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر، وعدم الاستقرار في شمال أفريقيا، والأمن البحري في البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، وبحر الصين الجنوبي.
اعتماداً على القضية، يتعين على دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي -مثل إيطاليا، وبولندا، وإسبانيا- أن تنضم إلى مجموعة الثلاثة الكبار في وضع السياسات أو التفاوض على الاتفاقيات. ولا بد أن يجري تنسيق مبادرات الثلاثة الكبار دوماً مع الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، من أجل تحقيق الاستفادة الكاملة من شرعية الكتلة ومواردها.
من شأن التنسيق الاستراتيجي الأكثر تواتراً ووضوحاً بين الثلاثة الكبار أن يدعم قدرة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على جني فوائد التعاون المتبادل. وربما يخدم أيضا كأساس لاتفاق عملي لتنظيم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والذي يصون علاقات التعاون الوثيق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية والأمنية.
سواء تقبل الاتحاد الأوروبي هذه الحقيقة أو رفضها، فإن مبادرة مشتركة ذات مصداقية تطرحها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة من شأنها أن تخلف أثراً أعظم على أمثال إيران وروسيا والصين، أو حتى الولايات المتحدة، مقارنة بموقف مشترك من جانب الاتحاد الأوروبي يستند إلى مناقشة دارت في لجنة السياسة والأمن في الاتحاد الأوروبي. والواقع أن تعميق التعاون بين الثلاثة الكبار، من ذلك النوع الذي نشهده في الآونة الأخيرة، يجب أن يظل على قمة أجندة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي قبل وبعد خروج بريطانيا.
سوف تضيف حقيقة أن فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة ستكون جميعها في عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خلال الفترة 2019-2020 -فرنسا والمملكة المتحدة كعضوين دائمين، وألمانيا كعضو منتخب- ستضيف ثِقَلاً للعمل التعاوني بين هذه الدول. وعلاوة على ذلك، من الممكن أن يساعد التعاون الوثيق داخل مجلس الأمن في تنسيق السياسة الخارجية والأمنية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في الفترة الانتقالية التالية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مباشرة.

*رئيس مجلس إدارة ومدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، برلين.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق