المتعلمون في البلدان الفقيرة وجدل "هجرة الكفاءات"

تم نشره في الاثنين 3 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 27/8/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تميل معظم البلدان الغنية إلى الترحيب بالمهاجرين ذوي المهارة العالية القادمين من المناطق الفقيرة في العالم. وفي الجدل الدائر حول الهجرة في الغرب، لا يتعرض الجراحون ومهندسو البرمجيات الأجانب للانتقاد والأذى بالطريقة التي يُعامَل بها عمال المزارع والنُّدُل، على الرغم من أنهم يهاجرون الآن إلى تلك البلدان بأعداد أكبر من أي وقت مضى. وفي العقد الذي امتد حتى العامين 2010-2011، ارتفع عدد المهاجرين الحاصلين على التعليم الجامعي في دول مجموعة العشرين، وهي مجموعة من الاقتصادات الضخمة التي تستضيف ثلثي المهاجرين في العالم، بنسبة 60 %، ليصل عددهم فيها إلى 32 مليوناً، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، النادي المكون من دول غنية في معظمها.
في ظاهر الأمر، يبدو هذا وكأنه معادلة من نوع "رابح-رابح" لكلا الجانبين؛ حيث تستفيد البلدان المضيفة من مهارات المهاجرين، الذين يستفيدون بدورهم من البيئة الاقتصادية الأكثر استقراراً التي يدخلونها. لكن بعض الاقتصاديين في مجال التنمية يساورهم القلق من أن الأمر يكون سيئاً بالنسبة لبلدان المهاجرين الأصلية. ويجادل هؤلاء بأن "هجرة الأدمغة" من البلدان الفقيرة تحرم هذه البلدان من الأشخاص الذين تحتاج إليهم حتى تتمكن من الهروب من الفقر. وهناك آخرون يشككون في هذه النظرية، محتجين بأن فوائد التحويلات المالية من هؤلاء المغتربين والمهارات الجديدة التي يعود بها المهاجرون العائدون إلى الوطن تفوق بكثير الأضرار التي تنجم عن مغادرتهم.
ولكن، ما الذي يفهمه المتعلمون في الدول الفقيرة من هذه المناظرات؟ يقول ياسين صادق مايانجا، الخبير الاقتصادي في الحكومة الأوغندية: "هناك مجالات يمكنك التفكير فيها على أنها من الإنسانيات أو ربما الآداب والفنون؛ حيث تكون القوى العاملة الماهرة في حالة فائض في العرض. وإذا ما أتيحت لنا فرص، فإن علينا أن نغادر". ويعتقد السيد مايانجا أنه من المنطقي أن يحمل الأشخاص المتعلمون تعليماً عالياً مهاراتهم إلى مكان آخر بدلاً من أن يكونوا غير منتجين في الوطن. أما المجموعة الوحيدة من الناس التي يقلق بشأنها، فهي الأطباء الأوغنديون، الذين يجدون الهجرة أسهل نسبياً. وفي العام 2015، كانت 69 % فقط من وظائف الرعاية الصحية في البلاد مشغولة فقط.
يؤكد آخرون أن اختيار البقاء أو الهجرة ليس قراراً اقتصادياً بسيطاً. ويعمل شقيقا فرح منير مع شركة "مايكروسوفت" في أميركا ومع الحكومة الأسترالية. وقد غادرا على الرغم من أن عائلتهما غنية بما فيه الكفاية لعيش حياة مريحة في الوطن. ومن المؤكد أن السيدة منير، التي تعمل الآن باحثة اقتصادية في دكا، كانت ستظل في الخارج هي أيضاً. لكن كونها أصغر الأبناء وغير متزوجة، جعل من المتوقع منها أن تعود إلى الوطن لتعيش مع والديها في بنغلاديش بعد حصولها على درجة الماجستير في بريطانيا.
في بعض الأحيان، يُصدر الناس في الوطن أحكاماً قاسية على أولئك الذين يغادرون، كما تقول فيوليتا هرنانديز، وهي مستشارة إدارية غادرت غواتيمالا لتكون مع زوجها الإيطالي. وتضيف: "يعتقد معظم الناس أن الشخص الذي يهاجر يعيش حياة سهلة في الخارج". لكن كونها تعيش في الخارج لم يقلل من حبها لبلدها الأم، كما تقول، مشيرة إلى أن البلد، بالنسبة للعديد من المهاجرين الغواتيماليين، دائماً ما يكون في تفكيرهم: "إذا أنشأنا نشاطاً تجارياً في الخارج ... فإننا دائماً نفكر في كيفية جلب بعض الفوائد لغواتيمالا."
وﻳﺸﻌﺮ ﺁﺧﺮون ﺑﺄن ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ "هجرة اﻟﻌﻘﻮل" ﺗﺴﺘﻨﺪ كلها إﻟﻰ ﻔﺮﺿﻴﺔ ﺨﺎﻃﺌﺔ. ويعترض ناثان جون، الكاتب النيجيري الذي يكتب بسخرية عن العقبات التي يواجهها هو وزملاؤه النيجيريون في محاولة الهجرة، -أو حتى في الحصول على تأشيرات لفترات قصيرة- لدخول الدول الغربية، يعترض على تأطير الهجرة بهذه المصطلحات. ويقول جون، الذي يعيش في برلين: "إن الكثير من الجدل حول ‘المهاجرين المهرة’ هو نقاش طبقي، لأنه يميز بين القيمة البشرية للأشخاص المهرة وبين قيمة المهاجرين ‘غير المهرة’، أياً كان ما يعنيه ذلك. كما أنه يفترض أيضاً أنه إذا بقي جميع الأشخاص المهرة في بلد مختل وظيفياً، فإن ذلك البلد سيتحسن بطريقة ما".
تجسد فنزويلا، وهي من البلدان القليلة التي تعاني من "نزيف" الناس، سواء كانوا متعلمين أم لا، قصر النظر الذي ينطوي عليه هذا الافتراض. ذلك أن الاختلال الوظيفي للبلد وانهياره الاقتصادي على وجه التحديد هي الأسباب التي تدفع مواطنيه إلى الخروج، ومن بينهم حوالي ثلث أطبائه. وهناك القليل من الشعور بأن أي شيء يمكن أن يتحسن إذا بقي عدد أكبر من الناس في البلد. ولذلك، فإن أولئك الذين يُترَكون في الخلف يأنفون من انتقاد الذين يغادرون. وتقول لويسا، وهي ناشطة اجتماعية: "يحصل الأطباء على أجر مثل 10 دولارات في الشهر إذا كانوا محظوظين. لا يرغب الكثير من الناس في انتقادهم. وهذا منطقي. لأنهم سيفعلون الشيء نفسه". وعلى الرغم من أنها حصلت هي نفسها على مزيد من العمل مع المنظمات الدولية في البلاد بسبب هجرة الأشخاص المهرة الآخرين، تقول لويزا إنها تفكر باستمرار في المغادرة: "العيش هنا عمل من أعمال الإيمان واختبار الصبر".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: What educated people from poor countries make of the “brain drain” argument

التعليق