كيف تحاول الصين السيطرة على الشرق الأوسط.. وهل تنجح؟

تم نشره في الاثنين 3 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • الرئيسان الصيني شين جين بينغ والإيراني حسن روحاني – (أرشيفية)

أوين دانيلز* - (ذا ناشيونال إنترست) 28/8/201

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يبدو أن التوترات بين الولايات المتحدة والصين هي التي تحدد طبيعة العلاقة الثنائية بين البلدين في هذه الأيام. ومن حرب تجارية متصاعدة، إلى وصف إدارة ترامب للصين بأنها "منافس استراتيجي يسعى إلى تقويض قوة الولايات المتحدة ونفوذها" من خلال استراتيجيتها للأمن القومي للعام 2017، يبدو أن العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين قد استقرت في حضيض جديد.
لكن منافسة القوى العظمى بين أقوى جيشين واقتصاديين ليست محدودة جغرافياً. وتشير الصين الآن إلى نيتها رسم المشهد الإقليمي والعسكري في الشرق الأوسط من خلال العلاقات التجارية مع الدول الإقليمية، وكذلك من خلال عرض قوتها العسكرية الخاصة. وفي ما يلي ثلاثة مجالات تمكن مراقبتها، حيث قد يؤدي انخراط أقوى للصين في الشرق الأوسط إلى تصاعد التوترات مع أميركا.
إيران تصبح النقطة المحورية في الحرب التجارية
يشكل النفط الخام سلعة استراتيجية مستوردة رئيسية بالنسبة لبكين، وتأتي دول الشرق الأوسط بعد روسيا فقط كمصدر لإمدادات النفط إلى الصين. وبصفتها أكبر مستهلك للنفط في العالم، ومع انخفاض إنتاج النفط المحلي، تهدف الصين إلى توسيع قدرتها في مجالات التكرير والتخزين لتقليل تعرضها لتقلبات سوق الطاقة العالمية. ويشكل هدف الولايات المتحدة المتمثل في خفض صادرات النفط الخام الإيرانية إلى الصفر تهديداً لاستراتيجية الصين القائمة على الاستيراد، وتدل كل المؤشرات على أن بكين -أكبر مستورد لطهران- ستتجاهل العقوبات الأميركية وتواصل العمل التجاري مع إيران كالمعتاد، بشكل أو بآخر. كما تشكل إيران محوراً مهماً في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، حيث بلغ إجمالي استثمارات البنية التحتية الصينية في إيران نحو 8.5 مليارات دولار أميركي، في شكل قروض من بنك التصدير والاستيراد الصيني في أوائل العام 2018.
مع إعادة فرض العقوبات الثانوية الأميركية بالكامل على النفط الإيراني في تشرين الثاني (نوفمبر)، تهدد إيران بأن تصبح النقطة المحورية في الحرب التجارية التي تلوح في الأفق بين الولايات المتحدة والصين، مع احتمال نجوم بتداعيات قاتمة. ومن المرجح أن ترتفع أسعار النفط في العام 2019 حين ينقطع تدفق النفط الإيراني، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المنتجات على الطريق، مع أن من المحتمل أن يكون التأثير مشابهاً على الاقتصاد الأميركي أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك، ولأن شراء النفط الإيراني يمر عبر البنك المركزي الإيراني المعتمد، فإن بنك الشعب الصيني سيخضع للعقوبات الأميركية الثانوية. ويمكن أن يرد بنك الشعب الصين باستخدام مجموعة من الخيارات غير المتكافئة للانتقام، بما في ذلك تخفيض قيمة الرنمينبي، واستهداف الشركات الأميركية بقوانين ولوائح انتقامية، أو استخدام الخيار النووي -بيع بعض من سنداته التي تحتفظ بها خزانة الولايات المتحدة، والتي تبلغ قيمتها 1.2 تريليون دولار. وقد أدت التوترات التجارية الأوسع والتهديد بفرض رسوم جمركية على واردات النفط الأميركية في  شهر آب (أغسطس) إلى تثبيط المشترين الصينيين عن شراء الخام الأميركي. وبالنظر إلى العوامل المشاركة، فإن الموعد النهائي للبدء في تطبيق العقوبات الثانوية الأميركية على إيران في تشرين الثاني (نوفمبر) قد يكون نقطة اشتعال لمزيد من التوترات.
البلاطات الصينية في الفسيفساء الخليجية
يشكل الانخراط الاقتصادي والعلاقات الأمنية جوانب أساسية لارتباط الصين مع دول الخليج العربية. وتحاول الصين الاستفادة من الأعمال التجارية لموازنة التوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران. وعلى سبيل المثال، تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية في العام 2017، مما يجعلها القائد التجاري الرئيس بالنسبة لكل من إيران والمملكة العربية السعودية. وفي العام 2017، وقع الملك سلمان، ملك المملكة العربية السعودية، على مذكرات تفاهم بقيمة 65 مليار دولار في بكين، وبدأت الدولتان تنفيذ الاتفاقيات في البتروكيماويات والتكنولوجيا وقطاعات أخرى. وعلاوة على ذلك، خطبت المملكة العربية السعودية ود الصين أيضاً لتكون مستضيفة لمجموعة أرامكو السعودية المعلّقة حالياً. ومع ذلك، أدى ارتفاع الأسعار إلى قيام الصين بخفض وارداتها من النفط الخام السعودي في العام 2018.
تعمل الصين بحذر لتجنب الانحراف بقوة نحو التعامل مع أي من السعودية أو إيران خشية تنفير الأخرى، وسيكون أحد الأسئلة الأساسية هو ما إذا كان الصينيون يعوّلون على المعدلات العالية مسبقاً من الاستثمار المتبادل مع المملكة بينما تتم إعادة فرض العقوبات الثانوية على إيران. وقد حاول الدبلوماسيون الصينيون أن يربطوا بين خطتي الحزام والطريق الصينية و"رؤية 2030" السعودية، ولو أن المخاوف من جهود التنظيم الغامضة التي تبذلها الحكومة السعودية قد تحد من التعاون السعودي-الصيني. كما أن استعداد إدارة ترامب الواضح للتوصل إلى اتفاق نووي مع المملكة ربما يكون قد أوجد أيضاً نقطة ضغط لصالح الولايات المتحدة.
إلى جانب المملكة العربية السعودية، تعهدت بكين بتقديم مساعدات إنمائية بقيمة 23 مليار دولار للمنطقة خلال منتدى التعاون بين الصين والدول العربية. كما زار الرئيس الصيني، شي جين بينغ، دولة الإمارات العربية المتحدة في شهر تموز (يوليو) الماضي لمناقشة مسائل التعاون الاقتصادي والأمن الإقليمي بين البلدين. ويرجع هذا إلى أن 60 في المائة من تجارة الصين مع أوروبا وأفريقيا تمر عبر الإمارات. وبالإضافة إلى ذلك، تبدو علاقات الصين مع دول الخليج واعدة اقتصادياً ويمكن أن تؤدي إلى قبول متزايد لنفوذ بكين في المنطقة.
وعلى الصعيد العسكري، قام الصينيون مؤخراً بتكثيف دورياتهم البحرية بالقرب من خليج عمان وعدن. كما أسست بكين قاعدة عسكرية في جيبوتي بهدف حماية المصالح والتبادلات التجارية في المنطقة، وربما زيادة تواجدها العسكري في الأمد الطويل. ويمكن أن تلعب الصين أيضاً دوراً بارزاً في المهمات الأمنية البحرية، مثل مكافحة القرصنة أو مكافحة التهريب، على الرغم من أن الولايات المتحدة وقيادة قواتها البحرية في "سينتكوم" ستراقب بالتأكيد هذه التطورات عن كثب.
مع ذلك، قد يشكل استعداد بكين للتعامل مع طهران مشكلة بالنسبة للتعاون في المجال الأمني، حتى مع قيام الصين بتعزيز وجودها العسكري الإقليمي. وكانت علاقة الصين مع إيران قد منعتها من التقارب مع الدول العربية بالقدر اللازم لتشكيل تحدٍ للولايات المتحدة باعتبارها القوة الأمنية المسيطرة في المنطقة. وطالما بقيت بكين قريبة من طهران، فإن من غير المرجح أن تتطلع السعودية والخليج إلى الصين لما هو أبعد من شراء الطائرات من دون طيار، ومعدات العمليات الخاصة وغيرها من المعدات العسكرية من حين لآخر في المدى القصير.
روسيا والصين: تنافس أم تعاون؟
يستحق دور روسيا كقوة خارجية أخرى في المنطقة في مقابل الصين النظر فيه أيضاً. وقد استولت موسكو على مقعد سائق القوة العظمى في سورية، حيث حاولت تخفيف حدة التوتر بين إسرائيل من جهة، وإيران ووكلائها ونظام الأسد من جهة أخرى على طول الحدود الجنوبية الغربية للبلاد. وكان نجاحها في هذا المسعى موضع تساؤل، لكن وساطة بوتين المفترضة بين الإيرانيين والإسرائيليين أصبحت ثيمة مهمة للكرملين.
عملت الصين إلى حد كبير بالتنسيق مع روسيا في سورية، واستمرت في دعم الرئيس السوري بشار الأسد والمشاركة في العرقلة الدبلوماسية للتدخل في البلد في الأمم المتحدة منذ الأيام الأولى للحرب الأهلية. وفي حين يمكن أن تلعب الصين دوراً مهماً في إعادة إعمار سورية، فإن من غير الواضح ما إذا كانت بكين ترغب في القيام بذلك.
من المرجح أن يظل دعم الصين وروسيا لإيران ضمن الحدود -ليس من الواضح ما إذا كان أي من البلدين سيدعم بصدق قبول إيران في منظمة شنغهاي للتعاون، على سبيل المثال- لكن سياسة طهران ستظل وسيلة ضغط يمكن أن يستخدمها كلا البلدين إذا ما أرادا مضايقة الولايات المتحدة.
سوف تشكل مبادرة الحزام والطريق الصينية مساحة مثيرة للاهتمام لمراقبة الديناميات الروسية- الصينية الأوسع إطاراً. ويمكن أن تعزز استثمارات الصين في البنية التحتية لقطاع الطاقة قدرة إيران على تصدير الغاز الطبيعي المسال مع خروج الشركات الأوروبية، على الرغم من أن العقوبات الأميركية الثانوية ستعيق فرص إيران في دخول الأسواق الأوروبية. وتبدو روسيا راضية عن هذا الوضع، وسوف تحاول إبقاء الغاز الطبيعي الإيراني المسال متجهاً نحو الشرق للاحتفاظ بسيطرتها على أوروبا. ويناسب هذا الترتيب على ما يبدو كلا من موسكو وبكين. ومع ذلك، تستخدم الصين إيران في الوقت نفسه لتطوير طرق مبادرة الحزام والطريق بحيث تتجنب المرور في الأراضي الروسية، تاركة روسيا محرومة من بعض منافع الحزام والطريق.
هناك العديد من الحقائق التي يجب أن تأخذها الولايات المتحدة بعين الاعتبار. فمن المرجح أن تتقارب الفصائل السياسية الإيرانية في ظل الاعتداءات الخطابية والمالية من إدارة ترامب، ويمكن أن يؤدي استمرار الدعم من الصين إلى تقويض الهدف الشامل للسياسة الأميركية، المتمثل في احتواء جهود إيران لتوسيع نفوذها في المنطقة. وعلى الرغم من أن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، من بين عوامل أخرى، قد تجتذب الدعم من شركاء إقليميين ذوي تفكير مشابه، فإن أميركا قد تخاطر بتصعيد الصراعات الاقتصادية مع الصين كثمن لإعادة فرض العقوبات الثانوية على إيران. ومن منظور استراتيجي، يجب على أميركا أيضاً أن تنظر فيما إذا كان إبعاد إيران كمصدر بديل للطاقة لأوروبا -الغاز الطبيعي على وجه الخصوص- سوف يفيد روسيا فعلياً ويعوق هدف توحيد الحلفاء الأوروبيين ضد الكرملين.
بالنظر إلى تركيز واشنطن على المحيط الهندي-الباسيفيكي باعتباره المسرح الأساسي لكل من الفرص الاقتصادية وصراعات القوة العظمى غداً، قد تحتاج إدارة ترامب إلى أن تسأل نفسها عما إذا كان هذا هو نوع القتال الذي تريد خوضه مع الصين.

*مدير مشارك في مبادرة أمن الشرق الأوسط في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن بالمجلس الأطلسي.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: How China Is Trying to Dominate the Middle East

التعليق