اللغة العربية جميلة؟ ليس عندنا

تم نشره في الثلاثاء 4 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

إيلي فودة*  3/9/2018

الانتداب البريطاني انتهى كما هو معروف في العام 1948، لكنه ترك خلفه نظام قوانين وانظمة واجراءات ما تزال سارية حتى بعد سبعين سنة. هكذا هو الأمر بشأن اللغة العربية، التي بقيت لغة رسمية إلى جانب اللغة العبرية. في وثيقة الاستقلال لم يكتب أي شيء بخصوص اللغة العربية، لكن من روح المساواة التي تهب من الوثيقة يمكن الاستنتاج بأنه لم يحدث أي تغيير في مكانتها. 

حكومات إسرائيل المتعاقبة لم تغير وضع اللغة العربية، ولا حتى في فترة الحكم العسكري في مناطق التجمعات السكانية العربية (1949- 1966). ما ينص عليه قانون القومية بأن هناك "مكانة خاصة" للغة العربية، في حين أن اللغة العبرية هي لغة الدولة الرسمية، خلقت للمرة الأولى تراتبية رسمية بين اللغتين، حيث فيها العربية هي لغة ثانوية، مكانتها الدقيقة في القانون ستحدد في فترة لاحقة، اذا حدث ذلك.

تاريخ اللغة العربية كلغة رسمية في دولة إسرائيل عرف حالات ارتفاع، لكن بالاساس حالات هبوط. إن جهود الكثيرين من وزراء التعليم وعلى رأسهم اسحق نافون – من اجل ادخال تعليم اللغة العربية بشكل الزامي إلى المدارس – ووجهت بمعارضة سياسية من قبل احزاب في الائتلاف الحكومي والمعارضة. 

مع ذلك، في 1995 نجحت وزارة التعليم برئاسة امنون روبنشتاين في ادخال تعليم العربية بشكل الزامي كلغة ثانوية إلى الصفوف من الثامن إلى العاشر. تلك كانت سنوات اوسلو، عندما كانت المسيرة السلمية في ذروتها. ولكن لم ينجح أي وزير تعليم في ادخال العربية إلى التعليم الاساسي والزام خريجي النظام التعليمي بتقديم امتحان اللغة العربية مثلما هو الأمر بالنسبة للغة الانجليزية. في جهاز التعليم العربي يتم امتحان الطلاب باللغات الثلاثة.

علامة فارقة ايجابية اخرى في مكانة اللغة العربية هي قرار المحكمة العليا في 2002، في اعقاب التماس قدمته جمعية حقوق الإنسان وجمعية عدالة، بأنه من الواجب على المدن المختلطة الاهتمام بأن تكون اللافتات في المدن باللغة العربية أيضا. هناك من يعتبرون هذا القرار نوع من قرارات المحكمة بأن اللغة العربية هي لغة رسمية في إسرائيل.

ولكن منذ العام 2001 طرح اعضاء كنيست من اليمين – الأول كان ميخائيل كلاينر من الليكود – مشاريع قوانين تلغي مكانة اللغة العربية، وتبقي العبرية كلغة رسمية وحيدة. في مشاريع قرار اعضاء الكنيست من اليمين تعاملوا مع اللغة العربية كلغة "رسمية ثانوية"، لغة "ذات اهمية خاصة" و"مكانة خاصة" – كل هذه صيغ نظيفة تعني خفض مكانة اللغة العربية. 

نظرة اوسع تبين إلى أين تدهورت الديمقراطية الإسرائيلية. الكسندر يعقوبسون اوضح كيف أن كرواتيا وصربيا ولاتفيا – الدول الثلاثة المصنفة قريبا من إسرائيل في مقياس منظمة "فريدم هاوس" – تتناول في قوانينها بصورة متساوية الاقليات فيها ("هآرتس"، 7/8). ومن المفاجئ أكثر اكتشاف أن المغرب، المصنفة في مرتبة منخفضة في مقياس الحرية العالمي، قامت بتعديل دستوريها في العام 2011 بحيث ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، لكن الامازيغية كذلك (اللغة البربرية) هي لغة رسمية في الدولة لكونها تراث مشترك لكل المغاربة. الصيغة تظهر حقا التدرج، لكن بصورة لطيفة وغير ضارة.

إن خفض مكانة اللغة العربية هو تعبير عن روح العصر التي بدأت تهب في المجتمع الإسرائيلي في بداية سنوات الألفين نتيجة التغييرات الديمغرافية والسياسية، وخيبة الأمل من فشل العملية السلمية ومن الانتفاضة الفلسطينية الثانية. هي أيضا تعبر عن تغييرات ايديولوجية في اليمين. في العام 1944 كتب مناحيم بيغن في أحد منشورات ايتسل بأن "اللغة العبرية واللغة العربية ستكونان لغة البلاد، لن يكون تمييز بين عربي ويهودي في الحصول على وظيفة حكومية أو عامة". بعد مرور 75 سنة فإن افكار جابوتنسكي وبيغن تم سحقها على أيدي ورثة التنقيحيين.

من المهم أن نذكر أنه فعليا اللغة العبرية واللغة العربية لم تكونا في أي يوم متساويتان. إن هيمنة اللغة العبرية قائمة في كل مجالات الحياة، بما في ذلك المحاكم ونقاشات الكنيست. والمجتمع العربي لا يحارب هذه الظاهرة بل هو يسلم بها. لذلك فإن خفض مكانة اللغة العربية هو في اساسه رمزي. ولكن له تداعيات سيئة: أولا، هو يعبر عن عجز المجتمع اليهودي في رؤية "الآخر". في اوضاع الصراع، يتم تحديد الهوية وترسيخها بواسطة نزع شرعية الآخر، لكن بعد مئة سنة من الصراع يبدو أن الهوية الإسرائيلية اليهودية قوية كفاية من اجل الاعتراف بالآخر بدون الشعور بالتهديد. ثانيا، هي تعزز رؤية الدولة المحاصرة، المحاطة بمحيط عربي واسلامي.

اللغة يمكنها أن تمثل جسرا بين الثقافات، لكن جسرا أحادي الاتجاه، فيه فقط الاقلية تتعلم لغة الأكثرية، ليس فقط تخلد هيمنة الاغلبية التي تؤدي إلى اهانة الاقلية، بل هي أيضا تؤدي إلى عزل الاغلبية اليهودية عن الفضاء. 

من اجل الاندماج في الفضاء يجب على إسرائيل الاعتراف بثقافة ولغة الآخر وتعلمها. بالتحديد بعد أن انفتحت إسرائيلي قليلا على المنطقة، ووقعت على اتفاقات سلام مع جارتين لها، وهي تقيم علاقات علنية وسرية مع السلطة الفلسطينية ومع عدد من الدول العربية، هي آخذة في الانغلاق. 

النقاش في لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست لاحياء يوم اللغة العربية في 2016 قال بني بيغن وبحق بأن هدف القانون المقترح "ليس تعظيم اللغة العبرية، بل اقصاء اللغة العربية". المجتمع اليهودي، بمختلف اقسامه السياسية، يجب أن يعارض ذلك وبكل وسيلة.

 

*بروفيسور إسرائيلي في التاريخ الإسلامي

التعليق