د.أحمد جميل عزم

ترامب واللعب بنار اللاجئين

تم نشره في الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2018. 12:05 صباحاً

ستؤدي سياسات الإدارة الأميركية الراهنة، التي لا ترى العالم، وخصوصاً الشرق الأوسط، إلا بعيون إسرائيلية، بل وحتى إسرائيلية يمينية صهيونية متطرفة، وليس بعيون المصالح الأميركية، أو حتى الإسرائيلية بعيدة المدى، إلى صفعة صغيرة، يوجهها المجتمع الدولي، أو صفعة كبيرة يوجهها اللاجئون أو خلط خطير للأوراق يؤذي الجميع.

جاء في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، قبل أيام (31 آب (أغسطس))، لتبرر وقف تقديمها المساعدات لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، كما نشر على موقع الوزارة، سببان أساسيان؛ الأول هو "الحصة غير المتناسبة" التي تدفعها الولايات المتحدة الأميركية مقارنة بغيرها؛ أي أنها تريد زيادة نسبة مساهمة الآخرين وتقليل مساهمتها هي. والسبب الثاني، الاعتراض على طريقة أداء وممارسات الوكالة و"عقليتها" في جمع التمويل والإدارة المالية، وتحديداً ما أسمته "اتساع مجتمع المستحقين"، وهي هنا تشير إلى أنها لا تريد دخول أبناء وأحفاد اللاجئين لمجتمع اللاجئين، وقالت إنّ هذا النمط كان نموذجا لـ"إدارة الأزمة" لسنوات طويلة. وهنا تشير الولايات المتحدة ضمناً إلى أنها تريد الخروج من عقلية إدارة الأزمة إلى حل الأزمة. وتقول إنّ الفلسطينيين "يستحقون ما هو أفضل من خدمات تقدم بأسلوب (مواجهة) الأزمة. ويستحقون أن يتمكنوا من التخطيط لمستقبلهم".

لو أنّ هذه الكلمات قيلت في سياق آخر لكان جديرا باللاجئين الابتهاج بها، فمن يسعده الاستمرار في الشعور بأنّه يعيش حالة أزمة للأبد؟ ولا يسعده حل أزمته نهائياً؟.

تقول الولايات المتحدة، (في بيان الخارجية)، إنّها ستقوم بالحوار مع الأمم المتحدة، والحكومات المضيفة، والشركاء الدوليين، بشأن "نموذج ومناهج جديدة، وتتضمن مساعدات ثنائية مباشرة من الولايات المتحدة والشركاء الآخرين، ممن يمكن أن يزودوا أطفال اليوم الفلسطينيين بطريق أكثر وضوحاً وثباتاً نحو مستقبل مشرق".

اللافت، والطريف إلى حد ما، في البيان، تجنب استخدام مصطلح "اللاجئين" نهائياً، كأن اللفظ ذاته مُعيب، حتى عند ذكر اسم الوكالة، اكتفى باستخدام الاسم المختصر (الأونروا)، ولم يذكر الاسم كاملا، ربما للتهرب من الإشارة للفظ اللاجئين. والحديث عن رفض اتساع مجتمع المستفيدين من الوكالة، هو صلب وأهم ما في السياسة الأميركية، من السعي لإلغاء صفة اللاجئ، عن أبناء اللاجئين، وأحفادهم، والقول إنّ اللاجئ هو من لجأ من فلسطين العام 1948، فقط، وبالتالي، مع موت آخر واحد من هؤلاء تموت قضية اللاجئين. ولم يذكر البيان، ما ردده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مطلع العام، أنّ وقف المساعدات رد على رفض القيادة الفلسطينية استئناف المفاوضات مع الإسرائيليين.

عدم ذكر صفة اللاجئين، يعني أن فهم هذه الإدارة الأميركية، هو طمس هذه الصفة، وإنهاء وجود اللاجئين قانونياً وإدارياً وبالتالي إنهاء وجودهم فعلا وإنهاء قضيتهم، وليس الحديث عن حل مشكلتهم بعودتهم لديارهم، والحديث عن مساعدات ثنائية تعني عنوانا آخر للتوطين، بأن تتولى الدول المضيفة للاجئين شؤونهم تماماً، بعد أن "يجردوا" من صفة لاجئ؛ أي يصبحوا مواطنين أو "بدون".

عندما تقول إدارة ترامب إنها تدفع حصة أكبر مما يجب وتريد خفضها، فهل سيتبع ذلك تخفيض دورها السياسي في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية؟ ألا تحتكر هي كل الدور السياسي الدولي؟ لعل مثل هذه المقولات عن "الحصة" الأميركية هي قصر نظر سياسي هائل من هذه الإدارة التي تعتقد أن تقليص دورها العالمي الأميركي لن يتبعه تقليص مكانة الولايات المتحدة الأميركية.

هناك الآن سيناريوهان رئيسيان يلوحان بالأفق؛ الأول أن يعوض المجتمع الدولي ما توقفت واشنطن عن دفعه، وهو مبلغ بخس بكل الأحوال، ما سيوجه صفعة صغيرة لإدارة ترامب، ولكن السيناريو الثاني يتضمن أكثر من وجه؛ أولها أن اللاجئين الفلسطينيين، الذين حولوا يوماً هوية اللاجئ والمخيم إلى هوية نضالية، وبنوا فصائل وانضووا تحت منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلا شرعياً ووحيداً لحقهم بالعودة وتقرير المصير، سيعيدون بناء حركتهم الوطنية وسيؤزمون المشهد باتجاه الحل الوحيد لمشكلتهم (العودة) وهذه ستكون صفعة كبرى على وجه إسرائيل وإدارة ترامب، ولكن الوجه الثاني لهذا السيناريو ألا يتمكن أو يمنع اللاجئون من التعبير عن حركتهم الوطنية، وحينها سيستغل متطرفون جيوب المعاناة في المخيمات لنشر التطرف الأعمى ما سيكون سيناريو بالغ الخطورة.

التعليق