حافز الاستعباد

تم نشره في الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً
  • حصاد المحصول في حقل أميركي - (أرشيفية)

ريكاردو هاوسمان*

كمبريدج- هل تساءلت يوماً لماذا تمتنع المدارس التجارية عن تعليم الطريقة الصحيحة لجَلد العامل للحصول منه على أقصى جهد ممكن بدون إلحاق الضرر بالأصول؟ لو كانت المدارس التجارية موجودة قبل الحرب الأهلية الأميركية، فربما كان المرء ليتصور محاضرة على الأقل، وإن لم يكن دورة كاملة، حول هذا الموضوع. ولكن، بدلاً من ذلك، تقوم المدارس التجارية بتعليم طلابها ثقافة الشركات وقيمها، على افتراض إمكانية الحصول على أقصى جهد ممكن من العمال إذا تسنى حملهم على التعاطف مع مهمة الشركة وأهدافها.
لماذا إذن عاد الاسترقاق وغيره من أشكال عمل العبيد بشكل كبير في العديد من الأماكن حول العالَم، وما العمل لإلغاء هذه الأشكال بالكامل؟ ربما يكون من المغري أن نفترض أن انحسار العبودية كان نتيجة لتقدم البشر أخلاقياً. ولكن، في كتابه البارع بعنوان "العبودية الأخرى"، يوضح أندريه ريزينديه مدى قصور هذا الافتراض. ويتناول الكتاب تاريخ الاسترقاق وغيره من أشكال استعباد الشعوب الأصلية في الأميركيتين، وهو الموضوع الذي حظي بقدر أقل كثيراً من الاهتمام مقارنة باسترقاق الأميركيين من أصل أفريقي.
كما يشرح الكتاب، حَرَّم تشارلز الأول ملك إسبانيا استرقاق الهنود في الأميركيتين في العام 1542، وكان الاسترقاق ألغي في شبه جزيرة إسبانيا في وقت سابق. ثم تعزز التشريع ضد استرقاق الهنود خلال وصاية ماريانا النمساوية والدة تشارلز الثاني على العرش (1665-1675).
استندت القوانين إلى القيم الكاثوليكية التي دفعت بها مجموعة من الناشطين ضمت بارتولومي دي لاس كاساس، الذي دافع عن حقوق الشعوب الأصلية باعتبارهم أبناء الرب ورعايا الملك. ولكن، على الرغم من المحظورات القانونية، أثبتت العبودية قدرة ملحوظة على الصمود، مع استخدام المستعمرين لحيل وذرائع مثل عبودية الدين، و"الحروب العادلة" (التي أجازت استعباد الأعداء المأسورين كنتيجة أكثر أخلاقية من الذبح المبرر)، وغير ذلك من الحيل.
ولعل أفضل وسيلة لفهم هذه القدرة على الصمود، بعيداً عن كونها نتيجة لسوء إنفاذ القانون، تكمن في ربحية الاسترقاق، والتي ولدت حوافز أقوى من أن تتمكن القوانين من احتوائها. والمعنى الضمني هنا هو أن انحسار العبودية اليوم واستمرار تقلصها المحتمل في المستقبل ربما يعتمد على السوق وليس الحوافز القانونية.
كان الاسترقاق منتشراً على نطاق واسع، بما في ذلك في أوروبا، عندما تطور في الأميركتين، حيث كان النقص الحاد في الأيدي العاملة هو الغالِب -من منظور المستوطنين الإسبان. وكان التعدين وزراعة المحاصيل من الصناعات التي تحتاج إلى عمالة كثيفة، لكن أعداد السكان سرعان ما انهارت بشكل حاد بمجرد الاتصال بأوروبا، نظراً لمزيج من الحرب والمرض والظلم والاضطهاد وانقطاع سبل العيش. وعلاوة على ذلك، كانت هذه الوظائف قذرة وخطيرة ومهينة. وكان تعدين الذهب بشكل خاص أشبه بالحكم بالإعدام: فنادراً ما كان العمال يستمرون على قيد الحياة لأكثر من ثلاث سنوات قبل أن يموتوا بسبب تسممهم بالزئبق أو نتيجة للحوادث.
لم ينجح الاسترقاق في الإبقاء على تكاليف العمالة منخفضة لأن العبيد أنفسهم كانوا مكلفين. ففي القرن السادس عشر، اجتاح النخاسون جزر الكاريبي الأخرى لاختطاف العمال وبيعهم لأصحاب مناجم الذهب على جزيرة هيسبانيولا (جمهورية الدومينيكان وهايتي اليوم). وفي القرن السابع عشر، استخدم الاسترقاق في بوليفيا لتشغيل مناجم الفضة في بوتوسي.
وفي القرن الثامن عشر، كان المنتمون إلى قبيلة كومانش يتصيدون أبناء قبيلة الأباتشي لبيعهم لأصحاب مناجم الفضة المكسيكيين. وحتى بعد الحرب الأهلية الأميركية، لم يحم التعديل الرابع عشر الأميركيين الأصليين: ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر حكمت المحكمة العليا بأن التعديل لم يشملهم، ولم يكتسبوا حقوق المواطنة إلا في العام 1924.
بعد إنهاء تجارة الرقيق الدولية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، لم يكن ما تطور في منطقة الكاريبي "العمل الحر" بل "العمل التعاقدي"، مع قيام أهل شرق آسيا بالرحلة في مقابل ما يمكن اعتباره عبودية محدودة المدة، على غرار عبودية الدين. وفي الولايات المتحدة، بعد نهاية فترة ما بعد الحرب الأهلية التي عُرِفَت بمسمى "إعادة الإعمار"، استنت الولايات الجنوبية قوانين التشرد، التي سمحت للسلطات بسجن العبيد السابقين النازحين والحكم عليهم بالعمل القسري إذا اعتبروا عاطلين عن العمل.
ولكن، ما الفارق بين الاسترقاق والعمل الحر، ولماذا حل الأخير محل الأول؟ ربما يرجع جزء من الإجابة إلى التكنولوجيا: فالتكنولوجيات التي تتطلب جهداً يصعب مراقبته، أو التي تستخدم معدات باهظة التكلفة وهشة، ربما تكون غير مناسبة للرق. وعلى سبيل المثال، ربما يكون من غير الحكمة ائتمان أرقاء ساخطين على أصول قيمة. ولكن لا ينبغي لنا أن نبالغ في هذا المنطق. فقد استعبد النازيون الملايين من غير اليهود من البلدان التي احتلوها، ونقلوهم إلى معسكرات العمل، في ألمانيا غالباً، ثم أرغموهم على إنتاج مواد حربية، ضمن أشياء أخرى.
أحد الفوارق الأساسية بين العمل الحر والاسترقاق هو أن العبيد لا بد أن يُشتروا، بمعنى أن المكاسب الناجمة عن الاستغلال لا تعود بالضرورة إلى مالك العبيد الحالي، بل تحتسب ضمن سعر شراء العبد. وهذا يعني أيضاً أن رأس المال يجب أن ينفق على امتلاك العبد، وهي تكلفة غير مطلوبة في العمل الحر. وفي عالَم حيث أسواق رأس المال أقل من مثالية، ربما تنطوي هذه التكلفة على إهدار فرصة كبيرة في هيئة استثمارات متروكة في المعدات وغير ذلك من المدخلات.
يكمن الفارق الأساسي بين المؤسستين في نطاق الخيارات المتاحة للعمال. فالاسترقاق يعني أن العامل لا يستطيع أن يرحل إذا وجد أن الظروف غير مقبولة. وإذا كان البديل للعبودية هو الجوع أو الموت، فربما يختار الناس العبودية.
اليوم، يواجه المهاجرون عادة خيارات محدودة. فإذا كانوا لا يمتلكون وثائق من سلطات الهجرة، كما هي حال الملايين في الولايات المتحدة، فلن يكون بوسعهم اللجوء إلى السلطات لحماية حقوقهم العمالية، الأمر الذي يجعلهم عُرضة للاستغلال وسوء المعاملة. وإذا كانت أوضاعهم قانونية، فإنهم يحصلون غالباً على تأشيرة تسمح لهم بالعمل لصالح الشركة الراعية فقط. وإذا وجدوا الظروف غير مقبولة، فلن يتمكنوا من تغيير أصحاب العمل: بل يتعين عليهم أن يغادروا البلاد.
وبتقييد الخيارات الخارجية المتاحة للعمال، ربما يحملهم أرباب العمل على قبول شروط يرفضها الأفراد الأكثر حرية. وربما يكون هذا أحد الأسباب وراء عدم التعامل مع المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة باعتبارهم يشكلون قضية ملحة، والسبب وراء اختلاف سبل الحماية التي توفرها العديد من الدول لمواطنيها عن تلك التي توفرها للأجانب. وربما يكون أيضاً السبب وراء رفض الدول تمكين اللاجئين، سواء كانوا من سورية أو فنزويلا، من خلال الحقوق. وما دامت حوافز الاسترقاق قائمة، فإن الجهود الرامية إلى إنهاء الرق -تحت أي مسمى- يجب أن تستمر.

*وزير التخطيط السابق لفنزويلا، وكبير خبراء الاقتصاد السابق في بنك التنمية الأميركي، وهو مدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد، وأستاذ الاقتصاد في كلية كينيدي في جامعة هارفارد.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق