موفق ملكاوي

ثقافة تقبل الهزيمة

تم نشره في الجمعة 7 أيلول / سبتمبر 2018. 12:06 صباحاً

في المجتمعات المتقدمة، يتم التعامل مع الهزيمة على أنها جزء أصيل في الحياة، فمثلما هناك انتصار ونجاح وصعود وإشعاع وولادة، هناك أيضا هزيمة وإخفاق وهبوط وخفوت وموت. فهي، على اختلاف أشكالها، تجري احتمالاتها في كل ما يحيط بنا من أمور.
من هذا الفهم، نرى الشخصيات في تلك المجتمعات أكثر انسجاما مع أنفسهم، فتسارع إلى تقبل الهزيمة والاعتراف بها، وتهنئة الخصوم، والإشادة بمقدرتهم على الأداء الذي جعلهم يفوزون، بينما يتقدم بعضهم خطوة إلى الأمام، ويقدم نقدا في أدائه الشخصي، مثل السياسيين المهزومين في انتخابات ما، والذين يشيدون بخصومهم وبطريقة إدارتهم لحملاتهم.
لكن الأمر مختلف تماما لدينا؛ فالهزيمة في أي مجال، لا بد أن يكون وراءها "مؤامرة" واستهداف، فكل شخص في المجتمعات المتخلفة يرى في نفسه الأحقية بالفوز والانتصار على كل من سواه، حتى لو لم يمتلك سببا واحدا لهذه الأحقية.
في مبارياتنا الرياضية، لا بد أن تكون خسارتنا متأتية من الحكم الذي يقف ضدنا دائما، وفي معاركنا السياسية والانتخابية، نبرر هزائمنا بـ"الدولة العميقة" و"الأجهزة التي تعمل ضد صوت الحق"، حتى في امتحاناتنا الأكاديمية، ورسوبنا في رخصة القيادة، ومقابلات العمل الشخصية، وغيرها، لدينا تبريرات عديدة لهزيمتنا، ليس من ضمنها، أبدا، قوة الخصم أو ضعفنا الشخصي!
حتى الملاحظات البسيطة التي يقدمها مدير أو مسؤول ما، مهما بلغت سنوات خبرته، لموظف جديد تحت إشرافه، تدخل في باب الاستهداف و"نظرية المؤامرة" التي نحب أن نلجأ إليها لتبرير عجزنا الذاتي، وإمكانياتنا المتواضعة، وعدم تحلينا بأي ثقافة للاستفادة من أخطائنا الشخصية، ولا من خبرة الآخرين.
بنيتنا النفسية والفكرية والثقافية وإمكانياتنا الذاتية ومقدرتنا وأداؤنا، في مقابل إمكانيات الخصوم وأدائهم، هي أمور لا نفكر فيها أبدا حين ننوي وضع "نظرية" لعجزنا عن تحصيل فوز أو انتصار أو نجاح. وفي هذا السياق، يتساوى الجميع؛ عوام ومثقفون وسياسيون وعلماء، ففي أكثر من جائزة علمية وأدبية، كانت ترتفع دائما أصوات مشككة بنزاهة لجان التحكيم وانحيازها ضد أحدهم، مثلا، لكونه لم يفز بجائزة ما، من دون أن يكلف نفسه النظر إلى ما قدمه المنافسون، لعله يرى قصوره الذاتي، وتميز الخصم.
هذا الأمر سببه ثقافة استعلائية على الصعيدين؛ الفردي والجمعي، ترفض النظر إلى الآخر على أنه كينونة ذات فعل ورد فعل، وبأنه يمتلك إمكانيات مثلنا تماما أو تزيد، وبأنه ليس مستقبِلا دائما، وإنما هو مرسل وفاعل ومؤثر بالطريقة المثالية التي نرى أنفسنا بها.
ثقافة تقبل الهزيمة والخسارة تدخل في علم "فن الحياة"، وهي ضرورية جدا من أجل نقد الذات؛ الفردية والجمعية، وتعديل المسار ما دام هذا ممكنا. ولكن، لنعترف أن هذا لا يحدث لدينا، فمنذ قرون ونحن نسير في الطريق الخطأ ذاتها، ومع ذلك نبقى مصرين على أن فشلنا يتأتى بفعل مؤامرات وقوى خارجية، وليس بسبب ضعفنا وهشاشتنا وأميتنا وتخلفنا.

التعليق