قبائل التقشف الثلاث

تم نشره في الأحد 9 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • امرأة فقيرة تجلس بابنتها الرضيعة في الشارع - (أرشيفية)

يانيس فاروفاكيس*

أثينا - خلال فترات الركود، لن تجد سياسة أكثر فشلاً من محاولة تحقيق فائض في الميزانية بغية احتواء الدين العام، أو سياسة التقشف باختصار. ولذلك، مع حلول الذكرى السنوية العاشرة لانهيار بنك ليمان براذرز، من المناسب أن نسأل لماذا اكتسبت سياسة التقشف كل هذه الشعبية بين النخب السياسية في الغرب بعد انهيار القطاع المالي في العام 2008.
الواقع أن الحجة الاقتصادية ضد التقشف بسيطة ومعلومة سلفاً: فالانكماش الاقتصادي، بحكم التعريف، يعني ضمناً تقليص الإنفاق في القطاع الخاص. والحكومة التي تخفض الإنفاق العام في الاستجابة لانخفاض الإيرادات الضريبية تتسبب من دون قصد في إضعاف الدخل الوطني (وهو مجموع الإنفاق الخاص والعام)، فضلاً عن إيراداتها بكل تأكيد. وبالتالي، فإنها تهدم الغرض الأصلي المتمثل في خفض العجز.
بكل وضوح، لا بد أن يكون هناك مبرر آخر غير اقتصادي لدعم التقشف. ويمكن تقسيم أولئك الذين يفضلون التقشف إلى ثلاث قبائل (مجموعات) مختلفة، وكل منها تروج للتقشف لأسباب خاصة بها.
القبيلة الأولى والأكثر شهرة بين "المتقشفين" تجد الحافز والإلهام في الميل إلى النظر إلى الدولة باعتبارها كياناً لا يختلف عن شركة أو أسرة يتعين عليها أن تشد الحزام في الأوقات العصيبة. وفي تغافل عن الاعتماد المصيري المتبادل بين إنفاق الحكومة والدخل (الضريبي)، وهو الارتباط الذي تتحرر منه الشركات والأسر بكل سرور، يرتكب أفراد هذه المجموعة خطأ القفزة الفكرية من الشُح الخاص إلى التقشف العام. وهذا الخطأ ليس اعتباطياً بطبيعة الحال؛ بل يدفعه بقوة التزام إيديولوجي بتقليص حجم الحكومة، وهو ما يحجب بدوره مصلحة طبقية أكثر شراً في إعادة توزيع المخاطر والخسائر على الفقراء.
وبوسعنا أن نجد قبيلة أخرى من أنصار التقشف أقل شهرة داخل الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية. ولنأخذ هنا مثالاً شديد الوضوح: عندما اندلعت أزمة العام 2008، كانت وزارة المالية الألمانية تحت قيادة بيير شتاينبروك، العضو البارز في حزب الديمقراطيين الاجتماعيين. وعلى الفور تقريباً، وصف شتاينبروك جرعة من التقشف في استجابة ألمانية مثلى للركود العظيم.
علاوة على ذلك، دافع شتاينبروك عن تعديل دستوري يمنع كل الحكومات الألمانية في المستقبل من الانحراف بعيداً عن التقشف، مهما بلغ الانكماش الاقتصادي من عمق. وربما يتساءل المرء عن السبب الذي قد يدفع الساسة الديمقراطيين الاجتماعيين إلى تحويل التقشف الهدّام إلى مرسوم دستوري أثناء أسوأ أزمة تعيشها الرأسمالية في عقود من الزمن.
ألقى شتاينبروك إجابته عن هذا السؤال في البوندستاغ في آذار (مارس) 2009. وربما يمكننا تلخيص حجته المشوهة في عبارة: "إنها الديمقراطية، يا غبي!"، فعلى خلفية البنوك المفلسة والركود القوي، ارتأى أن العجز المالي يحرم الساسة المنتخبين من "الحيز اللازم للمناورة" ويحرم الناخبين من أي اختيارات حقيقية.
على الرغم من أن شتاينبروك لم يُدل بكل ما في دلوه، فإن رسالته الأساسية كانت واضحة: فحتى لو أدى التقشف إلى تدمير الوظائف وإلحاق الأذى بالأشخاص العاديين، فإنه يبقى ضرورياً للحفاظ على المساحة اللازمة للخيارات الديمقراطية. ومن العجيب أنه لم يطرأ على ذهنه أن أفضل وسيلة لتأمين الخيارات الديمقراطية من دون تشديد القيود المالية، خلال فترات الانكماش على الأقل، هي ببساطة من خلال زيادة الضرائب المفروضة على الأثرياء وزيادة الفوائد الاجتماعية المقدمة للفقراء.
القبيلة الثالثة من أنصار التقشف أميركية، وربما تكون الأكثر فتنة وسحراً بين المجموعات الثلاث. ففي حين مارس البريطانيون "التاتشرية" ومارس الديمقراطيون الاجتماعيون الألمان التقشف في محاولة غير مدروسة للتخلص من عجز الموازنة الحكومية، فإن الجمهوريين الأميركيين لا يبالون حقاً بالحد من عجز موازنة الحكومة الفيدرالية، ولا يعتقدون أنهم قادرون على القيام بهذه المهمة بنجاح. فبعد الفوز بالمنصب بفضل برنامج انتخابي أعلن مقتهم للحكومة الكبيرة وتعهد بخفض حجمها، شرع الجمهوريون في زيادة عجز الموازنة الفيدرالية من خلال إقرار تخفيضات ضريبية ضخمة لصالح مانحيهم من الأثرياء. وعلى الرغم من أن مظهرهم يوحي بأنهم متحررون تماماً من فوبيا العجز التي يعاني منها المنتمون إلى المجموعتين الأخريين، فإن هدفهم -"تجويع الوحش" (نظام الرعاية الاجتماعية في الولايات المتحدة)- تقشفي بطبيعته.
بهذا المعنى، يصبح دونالد ترمب رئيساً جمهورياً في وضع مُوات. فبفضل قدرة الدولار الفائقة على اجتذاب المشترين لديون الحكومة الأميركية، يشعر بالاطمئنان إلى أنه كلما زاد عجز الموازنة الفيدرالية (من خلال تقديم المنح الضريبية لأمثاله)، كلما تعاظمت الضغوط السياسية على الكونغرس لحمله على خفض الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، وغير ذلك من الاستحقاقات. ويصبح المبرر المعتاد للتقشف (الاستقامة المالية واحتواء الدين العام) موضع إهمال، من أجل تحقيق الهدف السياسي الأشد عمقاً للتقشف، والذي يتمثل في إزالة الدعم الذي يستفيد منه كثيرون مع إعادة توزيع الدخل نحو القِلة.
من ناحية أخرى، وبصورة مستقلة عن أهداف الساسة التابعين للمؤسسة وستائرهم الدخانية الإيديولوجية، كانت الرأسمالية في تطور مستمر. ولم تعد الغالبية العظمى من القرارات الاقتصادية تصاغ بواسطة قوى السوق منذ فترة طويلة، بل أصبحت تتخذ الآن في إطار نظام هرمي صارم، وإن كان طليقاً إلى حد ما، يحكم اتحاداً احتكارياً من الشركات العالمية. ويتولى مديروه تحديد الأسعار والكميات، وإدارة التوقعات، وتصنيع الرغبات، والتواطؤ مع الساسة لتشكيل أسواق زائفة تدعم خدماتهم. وكان هدف عصر الصفقة الجديدة المتمثل في التشغيل الكامل للعمالة، والذي حل محله الهوس بالنمو، أولى الضحايا.
وفي وقت لاحق، في تسعينيات القرن العشرين، مع اكتساب الاتحاد الاحتكاري المفرط لطابع مالي (تحويل الشركات مثل جنرال موتورز إلى شركات مالية مضارِبة ضخمة، لكنها تصنع أيضاً بعض السيارات)، حل هدف "المرونة المالية" محل نمو الناتج المحلي الإجمالي: تضخم الأصول الورقية الذي لا ينقطع لصالح القِلة والتقشف الدائم للأكثرية. وبطبيعة الحال، تحول هذا العالم الجديد الشجاع إلى بيئة حاضنة لمجموعات التقشف الثلاث، التي أضافت كل منها مساهمتها الخاصة للتفوق الإيديولوجي لجاذبية التقشف.
وهكذا، فإن انتشار التقشف يعكس ديناميكية شاملة تعمل تحت ستار رأسمالية السوق الحرة على خلق نظام اقتصادي عالمي يحمل طابعاً مالياً ويحكمه نظام هرمي يقوم على الاتحادات الاحتكارية. وقد ساد هذا النظام في الغرب لأن ثلاث مجموعات سياسية قوية تناصره. ويتواطأ أعداء الحكومة الكبيرة (الذين يرون في التقشف فرصة ذهبية لتقليصها) مع الديمقراطيين الاجتماعيين في أوروبا (الذين يحلمون بالمزيد من الخيارات عندما يفوزون بالحكومة) والجمهوريين المناصرين لخفض الضرائب (العازمين على تفكيك الصفقة الجديدة في أميركا إلى الأبد).
والنتيجة ليست مجرد مصاعب غير ضرورية تتحملها شرائح ضخمة من البشر. بل ينذر كل هذا أيضاً بحلقة هلاك عالمية من فجوات التفاوت المتزايدة الاتساع وعدم الاستقرار المزمن.

*وزير المالية الأسبق في اليونان، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أثينا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكت".

التعليق