د.باسم الطويسي

آليات تزييف الوعي لم تتغير

تم نشره في الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2018. 12:06 صباحاً

يعتقد كثيرون أن ثمة سوءا كبيرا أصاب الثقافة المجتمعية العربية نتيجة تغلغل شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي وأن الحل يكمن في لجم هذه الوسائل أو إسكات مستخدميها أو تأديبهم.
في الحقيقة، إن هذه الوسائل لم تعمل أكثر من كشف السوء الموجود فينا أصلا، والمتراكم على شكل طبقات من التزييف التي يعود بعض حلقاتها الى قرون؛ فآليات تزييف الوعي الاجتماعي ما تزال في أغلبها كما هي لم تتغير، وكل ما فعلته التكنولوجيا أنها كشفت هذه الأمراض؛ وفي بعض الحالات منحتها حجمها الطبيعي؛ حيث تعمل منظومة متكاملة من الآليات على تشويه الثقافة المجتمعية بعضها متوارث تماما، وبعضها الآخر نما وتطور في العقود الأخيرة بفعل الانكفاء الثقافي والاستلاب السياسي والهشاشة الاقتصادية.
يعيدنا هذا الواقع الى أعمال اثنين من أهم علماء الاجتماع العرب، قدما النقد العلمي الأهم للمجتمعات العربية في القرن العشرين الماضي، هما حليم بركات وهشام شرابي، فلا يوجد فرق كبير يذكر بين وصفها في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات وبين ما يجري على الساحات الافتراضية المعاصرة؛ لم تتغير الدنيا كثيرا أكثر من الآليات والأحوال التي وصفت في السابق، بل بتنا نشاهدها اليوم بمرايا محدبة تعطيك المشهد من أوسع زاوية.
حليم بركات الذي  وصفه زميله في جامعة جورج تاون، مايكل هدسون، بأنه "دوركهايم علم الاجتماع العربي" شرح في كتابه الموسوعي (المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات) حجم التشوه في الأنساق الاجتماعية  والثقافية للعرب المعاصرين من الفرد الى الأسرة ثم التنظيم الاجتماعي والاقتصادي وصولا الى الثقافة القدرية وآليات التسويغ والتبرير وكأنه يقرأ على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي المعاصرة، قريبا من ذلك قدم المرحوم هشام شرابي في (مقدمات لدراسة المجتمع العربي المعاصر) صورة أخرى أكثر شفافية وكأنه لا شيء يغير الراكد في هذا الجزء من العالم من الأبوية الممعنة في بنية المجتمع وفي تركيبة السلطة الى أنماط إنتاج المعرفة.
إذا ما ذهبنا الى مناقشة ما يدور في تعبيرات الثقافة المجتمعية العربية "الجديدة"، نجد بالفعل أن آليات تزييف الوعي التقليدية ما تزال تعمل بكفاءة كما رصدت قبل نحو أربعة عقود؛ أولاها الرقابة الذاتية المفرطة التي تجعل الأفراد والجماعات ينتجون أنماطا جديدة من الأبوية، وبالتالي لا تشكل الأبوية الجديدة مجرد قيد على الحرية بل وجدار يصد الناس ويمنعهم من الخروج من الصندوق، فالبيئات الجديدة التي تستهلك آخر منتجات الحداثة الغربية ما تزال طاردة للإبداع أو الابتكار ولا تشكل أكثر من ساحات لمعارك عمرها قرون، وهذا ما يقودنا الى آلية أخرى لتزييف الوعي في العالم الافتراضي وهي هيمنة الاتجاه السائد، فالجميع يذهب نحو موافقة الاتجاه المهيمن، ومن يتبقى لديهم بعض الشجاعة ويميلون الى الرفض نجدهم يذهبون الى الصمت، لا يمكن أن نتجاوز العالم الافتراضي العربي بدون التوقف عند حجم التسويغ والتبرير، وهي آلية تقليدية تركن إليها الذهنية العربية في لحظات الضعف والاسترخاء، فالنصر مبرر والهزيمة مبررة والفقر مبرر والثراء مبرر، كما هو الحال في آلية تصدير الفشل والهزيمة لأسباب خارجية؛ أي العودة دائما لحلقة المؤامرة والأمر الذي دبر في ليل ما.
على الرغم من صرامة النقد التاريخي والثقافي الذي قدمه كل من هشام شرابي وحليم بركات للمجتمعات العربية، إلا أنهما لم يتخليا عن تفاؤلهما التاريخي ودعا كل منهما الى منهجه في التحرر الذاتي؛ ترى هل ما يزال ذلك التفاؤل التاريخي في مكانه ونحن نشهد أن آليات تزييف الوعي ما تزال تعمل وبكفاءة أكبر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »آليات تزييف الوعي لم تتغير ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2018.
    دعني اخالفك الراي فيما استهللت مقالك من حيث الطعن بالأداة والمقصود هو محتوى الوافد من خلالها دون فلتره وتمحيص (ومن باب التذكير كانوا آيام السينما عند عرض بعض الأفلام يدون عبارة "ينصح بمرافقة الآباء"لماهم دون السن القانوني "؟؟ والحملة الشرسه ضد منصّات التواصل ليس مصدرها المجتمعات العربيه بل اللحكومات الغربيه وعلى راسها "امريكا " لأنها كشفت حقيقة دفين سياستهم التضليليه التي ساقوا سيطرتهم من خلالها تصديرا للدول الأخرى ؟؟ والحقيقة انها ساهمت في كشف زيفهم تجاه المجتمعات العربيه والصوره المظلمه عنهم ؟؟ وحتى لانطيل ومن باب عدم الإحباط وزيادة الطين بلّه هناك فارق مابين الإعلام الإحباطي (صوره بوجه واحد) والإعلام التوعوي (الصورة بوجهيها) حيث الحضارات العالميه تتعاقب وكما للحضاره الغربيه دورا كان لنا السبق حيث غزونا بعلومنا وتجارتنا وسماحة ديننا السمح مشارق الأرض ومغاربها دون إكراه واوتغول على أحد اومن أحد ؟؟؟؟ وهذا الفارق مابين من تستروا تحت ظلال العولمة والحداثة والتنوير متغولين على روافع المنظومه المعرفيه المجتمعيه من قيم وثقافه وآعراف وثابتها العقيده (الجمل بما حمل ومايجب ان يكون في روما يجب ان يكون في حواري معان الأبيه)؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟