كسر الإسلام الانفتاحي

تم نشره في الجمعة 31 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

يعترض المفكر جورج قرم على من يقول إن النهضة العربية الحديثة قامت على أكتاف المسيحيين أكثر من المسلمين؛ فهذا ما يخالف الوقائع التاريخية. ومن سوء الحظ، وفق قرم، أنَّ بعض المثقفين العرب الكبار، من مثل هشام شرابي، رحمه الله، كتبوا في هذا الاتجاه؛ أي أن المسيحيين، لأنهم مسيحيون، هم الّذين تحمّسوا واستوردوا أفكار فلسفة الأنوار الأوروبيّة، بينما وقف المسلمون سدّاً منيعاً أمام هذا الاستيراد الفكري. وهذا مخالفٌ للوقائع التاريخية؛ فالعديد من المسيحيين وقفوا كشرقيين مقابل الغرب المادي، ومنهم جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وغيرهما الكثير.
ويؤكد قرم أن المسيحيين اتخذوا المواقف نفسها التي اتخذها إخوانهم المسلمون؛ في أننا لا يمكن أن نستورد كل شيء من الغرب، خاصة الحياة المادية التي تبعدنا عن جذورنا الروحيّة. لقد كان هذا الموقف موقفا مشتركا. ويشير المفكر اللبناني في حوار أجرته معه مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، إلى أن الَّذين كانوا أكثر جذريَّة في تبني الأفكار التَّحررية الأوروبيَّة بعد الثّورة الفرنسيّة هم مشايخ الأزهر، وعلى رأسهم رفاعة رافع الطّهطاوي. وبعد ذلك جاء محمد عبده، وأحمد أمين، وعلي عبدالرازق في كتابه الشّهير "الإسلام وأصول الحكم"؛ وكانوا أكثر جرأة من عديد من المسيحيين الّذين لم يتعرّضوا للمؤسّسات الإسلاميّة الطّابع، لأنهم مسيحيون لا يودّون أن يجرحوا شعور المسلمين. وبالتالي، فإنّ القول بأنّ النهضة العربيّة والعلمانيّة في العالم العربي إجمالاً، قد قامت بجهود المسيحيين، يجب أن يتم دحضه باستمرار، لأنه، أي هذا القول، يشكّل ضغوطات فكرية غربية على العالم العربي إجمالاً، ويزرع عناصر الفتنة بين العرب أنفسهم حسب انتماءاتهم الدّينية.
ويرى قرم أن الغاية من هذه الأفكار المغلوطة هي كسر الإسلام الانفتاحي التّنويري، مثلما أن الحديث عن أدبيات سيد قطب وابن تيمية وكأنّها صميم العقيدة الدينية الإسلامية يعدّ جزءا من المؤامرة على العرب. ويلاحظ أن المنطقة كلها واقعة منذ سنين في أسر المزايدات الدينية التي قضت على كل تراث النهضة العربية، وقضت على كل التراث العظيم للحضارة الإسلامية في العصر العباسي.
والواقع أن الأزمة السورية، والوضع في العراق واليمن والبحرين، تنقل الأمور إلى ما هو أخطر من المزايدات الدينية؛ باتجاه صراع طائفي دموي، واقتتال أهلي، يصعد فيه صوت المتطرفين من السنة والشيعة، ويتوارى فيه صوت المعتدلين الذين يدينون الإرهاب والتطرف؛ شيعيا كان أم سنيا، يهوديا أم مسيحيا.
قبل أكثر من ستة عقود، كتب الشيخ الأزهري محمد عبدالله دراز كتابه المهم "دستور الأخلاق في القرآن"، كرسالة دكتوراة تقدم بها للسوربون باللغة الفرنسية. وقد طُبعت النسخة الفرنسية العام 1950 على حساب مشيخة الأزهر الشريف.
كان الشيخ الأزهري مهجوسا بمقاربة الأخلاق الإسلامية وفق فلسفة الأخلاق التي أرساها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانْت، والتي بناها على أساس عقلاني مرتكز إلى الإرادة الحرة والاتساق الذاتي والقابلية للتعميم. كان دراز مهتما بإعادة أمجاد فلاسفة الأخلاق في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، مثل التوحيدي، ومسكويه، وإخوان الصفا، وأهل التصوف.
للأسف، اليوم يكاد المسجد، الذي لطالما سمّي جامعاً، يخسر بعض أهم وظائفه: نشر الأخوة والمحبة والتضامن والخير والتسامح؛ وذلك بفعل خطاب تقسيمي مغلق.
إن أمام المجتمعات والشعوب والمؤسسات والمنظمات في منطقتنا مسؤولية ترسيخ التسامح والاعتدال والتنوع والتعدد، ورفع الغطاء وسحب الحواضن الاجتماعية عن خطاب التعصب والعنف، سواء جاء من "حزب الله" أم من "داعش". ينبغي ألا يكون هؤلاء ناطقين باسمنا ومحددين لأفكارنا وطريقة عيشنا. نحن في خطر كبير حين نسمح لهم بكسر الإسلام الانفتاحي. التطرف والحروب لا يقتلان البشر فحسب، بل يقتلان الأمل والمحبة.

التعليق